الأمر بصلاة الْمُسْلمينَ والثانية الأمر بالجماعة فإن الْيَهُود كانوا يصلون واحدًا فأُمرُوا
بالصلاة في الجماعة فلا تكرار في الأمر بالصلاة.
قوله: (وقيل الركوع) الْمُرَاد هنا (الْخُضُوع والانقياد) فيكون الأمر به للتعميم بعد
التَّخْصِيص فحِينَئِذٍ لا شائبة تكرار أصلًا قيل وبهذا يخرج الْجَوَاب عن استدلال أحمد
والكرخي والطحاوي وبعض أصحاب الشَّافعي بالآية عَلَى وجوب الجماعة فإنها حِينَئِذٍ لا
تكون قطعية فلا تفيد الفرضية انتهى. سواء كان فرض عين وهو مذهب أحمد ودَاوُود وعطاء
كما مَرَّ أو فرض كفاية كما ذهب إليه منا الكرخي والطحاوي، فإن فرض الكفاية مثل فرض
عين لا يثبت إلا بدليل قطعي (لما يلزمهم الشارع) .
قوله: (قال الأضبط السعدي) وهو شاعر أموي وقبله:
لكل ضيق من الأمور سعة ... والصبح والمساء لا بقاء معه
[لا تذلَّ الضَّعيفَ عَلَّكَ] أَنْ تَرْ ... كَعَ يَوْمًا والدهْرُ قَدْ رفعه
وصل حبال البعيد إن وصل الحبـ ... ـل واقطع القريب إن قطعه
وأقبل من الدهر ما أتاك به ... من قر عينا بغيشه نفعه
قد يجمع المال غير آكله ... ويأكل المال غير من جمعه
قوله: لا تذل الضعيف. وروي لا تهين الفقير بفتح النون كذا قيل. وعلك لغة في لعلك
والركوع بمعنى الانحطاط في الرتبة ويلزمه الْخُضُوع والمذلة وهذا محل استشهاد.
قَوْلُه تَعَالَى: (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بالْبرّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكتابَ أَفَلا تَعْقلُونَ(44)
قوله: (تقرير مع توبيخ) أَشَارَ إلَى أن الهمزة للتقرير بمعنى التحقيق والتثبيت، وأما
بمعنى حمل المخاطب عَلَى الإقرار وإلجائه إليه لا يناسب هنا، وإن سلم صحته هنا؛ إذ يبعد
إقرار المخاطب أمر النَّاس بالبر ونسيان أنفسهم بل هم مصرون عَلَى خلاف ذلك وإن عرفوا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: علك أن تركع يومًا استشهاد لمجيء الركوع بمعنى الْخُضُوع والانقياد. أي لا تذل
الضعيف ولا تقصد إذلاله لعلك تخضع وتذل يومًا والدهر يرفع ويعز ذلك الضعيف.
قوله: تقرير مع توبيخ وتعجب يعني أن همزة الاسْتفْهَام في أتأمرون للتقرير مع التوبيخ
والتعجب والتقرير يجيء للحمل عَلَى الإقرار والإلجاء إليه، ويجيء للتحقيق والتثبيت، ويجوز صرف
التقرير هَاهُنَا عَلَى كل من معنييه التوبيخ والتقريع والتعجيب إيقاع السامع في العجب. أقول: معنى
كلمة الاسْتفْهَام في طلب الفهم عن المخاطب حَقيقَة وفيما عدا ذلك مجاز ففي كل من التقرير
والتوبيخ والتعجيب يكون من قبيل المجاز، لكن إذا أطلق لفظ الاسْتفْهَام يكون الْمُرَاد واحدًا من
معانيه المجازية، ولا يجوز في إطلاق واحد أن يراد من الْمَعَاني المجازية معنيان فصاعدا وهَاهُنَا قد
ارتكب المصنف جواز إرادة ثلاثة معانٍ مجازية في إطلاق واحد كما ترى.