أنهم ينسون أنفسهم وللإنكار أي لإنكار الواقع بمعنى أنه مما لا يَنْبَغي أن يقع. أي الأمر
بالبر ونسيان أنفسهم واقع منهم ألبتة لكن وقوعه ليس بلائق، فالجمع بين المَعْنَيَيْن
بالاعتبارين مما لا بأس به، ولك أن تقول: التقرير معنى الهمزة الْمُرَاد هنا والتوبيخ والتعجيب
منفهم من عرض الْكَلَام وفحواه، فإن هذا التقرير لما لم يكن تقرير أمر حسن فهم بمعونة
ذلك التوبيخ والتعجيب، وهذا أولى من الْقَوْل باسْتعْمَال اللَّفْظ في مَعْنَيَيْن مجازيين بل في
الْمَعَاني المجازية، وإدخال مع في التوبيخ إشَارَة إلَى أنه المقصود من الْكَلَام، ومعنى التقرير
لكونه ذريعة إليه، ولما كان إهمال المرء نفسه في التكميل مع سعيه في تكميل غيره خصوصًا
مع علمه بقبحه أمرًا عجيبًا ونهاية في الشناعة بحَيْثُ كان من شأنه أن يتعجب كل أحد. قال
(وتعجيب) أي الحمل عَلَى التعجب سواء تعجبوا بالْفعْل أو لا ، فلا يضر ذلك كون
المخاطبين عارفين بحالهم وأنهم يأمرون النَّاس بالبر وينسون أنفسهم ؛ إذ قد عرفت أن المراد
أن هذا من شأنه أن يتعجب كل أحد، ولا يجب أن يقع بالْفعْل منهم ؛ إذ التعجب من
السامعين بحالهم كافٍ عَلَى أن معرفة حالهم كونها مضرًا للتعجب منهم غير مسلم وظهر
من هذا التقرير أن التوبيخ والإنكار راجع إلَى النسيان لا إلَى أمر النَّاس بالبر ولا إلَى مقارنة
إلى النسيان الْمَذْكُور يؤيده قوله الآتي فإن الإخلال بأحد الأمرين الخ.
قوله: (والبر التوسع في الخير من البر) فيكون أخص من الخير. من البر ضد
البحر (و) لهذا قال (وهو الفضاء الواسع) لما كان في المأخذ معتبرًا الوسعة اعتبر
في البر التوسع في الخير (يتناول كل خير) بالاشتراك المعنوي ومعناه يطلق عَلَى كل
واحد واحد منه لا أن الْمُرَاد أنه يراد منه الخير من حيث المجموع، ومعلوم بالبداهة
أنهم لا يأمرون بكل خير، ولو أريد العموم لكان مُسْتَفَادًا من اللام في البر لجواز حملها
على الاسْتغْرَاق العرفي، ويؤيده ما قاله السدي: إنهم كانوا يأمرون النَّاس بطاعة الله تَعَالَى
وينهونهم عن المعصية، وهم كانوا يتركون الطاعة ويقومون عَلَى المعصية انتهى. والنهي
عن المعصية لما كان مستلزمًا للآمر بضدها لم يتعرض في النظم الكريم النهي عن
المعصية مع ارْتكَابهم إياها .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: والبر التوسع في الخير. وفي الكَشَّاف البر سعة الخير، والمعروف ومنه البر لسعته
ويتناول كل خير، ومنه قولهم صدقت وبررت يعني قولهم هذا في جواب المؤذن حيث قال الصلاة
خير من النوم. الْمَعْنَى صدقت وأوسعت في الخير حين لمحت به خلقًا كثيرًا وهم السامعون لأذانه
وقيل معناه صدقت وبررت في صدقك كما يقال كذبت وفجرت أي فجرت في كذبك .