(مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَدٍ) حَقيقَة (مِنْ رِجَالِكُمْ) ولكنه
أب لكم رجالكم ونسائكم من حَيْثُ إنه يجب التوقير والطاعة لأنه رسول الله فيكون أبًا لكم
من هذه الحيثية وخاتم النبيين فتدوم أبوته من هذه الحيثية ولذا ذكر خاتم النبيين وغير ذلك
من الفَائدَة وقد أشرنا إليه آنفًا .
قوله:(ولا يقدح فيه نزول عيسى - عليه السلام - بعده لأنه إذا نزل كان على دينه، مع أن
المراد منه أنه آخر من نبئ)ولا يقدح فيه أي في كونه خاتم النبيين وما ذكره من الْجَوَاب
الأول هُوَ المشهور وقد أشكل عليه بأن عيسى عَلَيْهِ السَّلَامُ يرفع الجزية فَكَيْفَ يكون عَلَى
دينه. وأُجيب بأنه عَلَيْهِ السَّلَامُ بين انتهاء شرعية هذا الحكم وقت نزول عيسى عَلَيْهِ السَّلَامُ
فالانتهاء [حِينَئِذٍ] من شريعتنا، وأما الْجَوَاب الثاني وهو مذكور أولًا في الكَشَّاف فمعناه أن معنى
كونه عَلَيْهِ السَّلَامُ آخر الْأَنْبيَاء أنه لا ينبأ أحد بعده وعيسى ممن نبئ قبله والإشكال عَلَى
الْجَوَاب الأول بأنه لا ينافي استقلاله في النبوة، وإنَّمَا ينافي استقلاله في الرسالة فمغلطة
باردة لأن الْمُرَاد كما في شرح العقائد أن شريعته قد نسخت فلا يكون إليه وحي ونصب
أحكام بل يكون خَليفَة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا يبقى له نبوة ولا رسالة والعلماء عبروا عن ذلك
بأنه يكون عَلَى دينه ؛ إذ أنزل منَ السَّمَاء. فالْجَوَاب الأول هُوَ المعول .
قوله: (فيعلم من يليق بأن يختم به النبوة وكَيْفَ يَنْبَغي شأنه) فيعلم من يليق الخ. أشار
به إلَى مناسبة ختم الْكَلَام بأوله .
قَوْلُه تَعَالَى: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا(41)
قوله: (يغلب الأوقات) إما كمًا أو كيفًا الأوقات مَفْعُول فيه أي يغلب في الأوقات أو
مَفْعُول به عَلَى التوسع ومعنى الغلبة الاستيعاب بحسب العرف ؛ إذ أوقات المصالح في حكم
الْمُسْتَثْنَى وهذا يختلف باخْتلَاف الأشخاص ففهم من في مصالحه في أوقات يسيرة فيَنْبَغي
له استيعاب ما عداها من الأوقات بالأذكار ومنهم من هُوَ بخلاف ذلك فيَنْبَغي له أن يغلب
أوقاته بالذكر حسبما تيسر له ولا يَخْتَصُّ الكثير بالعدد بل يعم بالكَيْف أَيْضًا .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: ولا يقدح فيه. أي لا يقدح في كونه خاتمًا نزول عيسى بعده لأن عيسى - عليه السلام - حين ينزل ينزل
عاملًا عَلَى شريعة مُحَمَّد - صلى الله عليه وسلم - مصليا إلَى قبلته كأنه بعض أمته مع أن الْمُرَاد بكونه خاتمًا للنبيين أنه عليه
الصلاة وَالسَّلَامُ آخر من نبئ وعيسى عليه السَّلام نبئ قبل محمد - صلى الله عليه وسلم - يعني الْمُرَاد بالختم
والآخرية آخرية الاستثناء لا آخرية وجود نبئ والاستنباء قد تم وختم في محمد - صلى الله عليه وسلم - فلا ينافيه
وجود نبي من الماضين بعده ونزوله لإجراء حكم شرعه - صلى الله عليه وسلم - .
قوله: يغلب الأوقات ويعم أنواع ما هُوَ أهله. هُوَ بيان لجهة كثرة الذكر فإن كثرة الذكر يكون
بدوامه واسْتغْرَاقه لجميع الأوقات ويكون بكثرة أنواعه من التقديس والتحميد والتهليل والتمجيد
وما أشبهها. قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في تفسير الذكر الكثير ذكر الله عَلَى فم كل مسلم، وروي في قلب
كل مسلم. وعن قتادة قولوا سبحان الله والْحَمْدُ للَّه ولَا إلَهَ إلَّا الله والله أكبر ولا حول ولا قوة إلا
باللَّه العلي العظيم. وعن مجاهد هذه كلمات يقولها الطاهر والجنب .