الظَّاهر أن الأكثر بمعنى الكل كَمَا سَبَقَ التَّنْبيه عليه في قَوْله تَعَالَى: (وأكثرهم الكافرون)
لأن قوله (والله أعلم) يفيد الحصر وأفعل التَّفْضيل بمعنى أصل الْفعْل. وجه
ارتباطها بما قبلها هُوَ أن الْقَوْل بالبداء من وساوس الشَّيْطَان والقائلون به ممن يتولونه.
قَوْلُه تَعَالَى: (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُوا وَهُدًى
وَبُشْرى لِلْمُسْلِمِينَ (102)
قوله:(يعني جبريل عليه الصلاة والسلام، وإضافة الروح إلى القدس وهو الطهر كقولهم: حاتم
الجود)أي الروح المقدسة كما أن حاتم الجود أي حاتم الجواد فإضافته إلَى الجود للمُبَالَغَة
في كثرة ملابسته له، وكذا رجل صدق أي صادق وهذا معنى ما قال الرضي في باب النعت
هم كثيرًا ما يضيفون الْمَوْصُوف إلَى مصدر الصّفَة [نحو] خبر السوء أي الخبر السيئ ورجل
صدق أي صادق انتهى. ومنه قَوْلُه تَعَالَى: (دائرة السوء) .
قوله:(وقرأ ابن كثير رُوحُ الْقُدُسِ بالتخفيف وفي يُنَزِّلُ ونَزَّلَهُ تنبيه على أن إنزاله مدرجًا
على حسب المصالح بما يقتضي التبديل)بالتخفيف أي بسكون الدال قوله مدرجًا بصيغَة
الْمَفْعُول أي بالتدريج إشَارَة إلَى الفرق بين الْإنْزَال والتنزيل ولكون التفعيل للتكثير يدل
التنزيل عَلَى التدربج وقراءة ابن كثير وأبو عمرو بالتخفيف أَيْضًا للتدريج لما عرفته. قوله مما
يقتضي التبديل هذا القيد من مقتضيات هذا المقام وإلا لكفى أن يقال عَلَى حسب المصالح
والوقائع وهو حال من الضَّمير المستتر في مدرجًا وفيه إشَارَة إلَى ما سبق من أن المصالح
تختلف باخْتلَاف الأوقات فكم من شيء يحسن في وقت ثم يكون قبيحًا فينهى عنه وهو
سبب النسخ وكلام الْمُصَنّف هنا يشعر بأن الحسن والقبح لذات الْفعْل أو لصفة من صفاته
فأمر به لكونه حسنا في نفسه أو لغيره وكذا النهي وهذا خلاف مذهبه لما عرف في
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: روح القدس بالتخفيف أي بضمة القاف وسكون الدال والقراءة بضمتين قراءة بالتثقيل.
قوله: وفي يُنَزِّلُ ونَزَّلَهُ أي وهي صيغة التفعيل فيهما دلالة عَلَى التدريج الدال عَلَى أن التنزيل
مدرجًا يدل عَلَى أن الآيات تنزل بحسب الوقائع والمصالح التي وقعت زمانًا بعد زمان قرب زمان
وحال يقتضي نزول حكم فيه ولا يقتضي ذلك زمان آخر وحال أخرى بل يقتضي نسخه وتبديله
ففَائدَة هذه الْجُمْلَة الاعتراضية بيان سبب الْحكْمَة في النسخ والتبديل وإشَارَة إلَى بطلان قول الكفرة
(إِنَّمَا أَنْتَ مُفْتَرٍ) .