الخلو هذا مقتضى كلامه، ولا يخفى ما فيه لما عرفته من أن جعل الآية النَّاسخة مكان الآية
المنسوخة غير ظَاهر في هذه الْأَقْسَام إلا في المنسوخ حكمه وبقي تلاوته فتأمل ولو خص
الْكَلَام بهذا القسم أسلم من التمحل.
قوله:(من المصالح فلعل ما [يكون] مصلحة في وقت يصير مفسدة بعده فينسخه، وما
لا يكون مصلحة [حِينَئِذٍ] يكون مصلحة الآن فيثبته مكانه) فلعل ما تكون مصلحة وهذا يؤيد ما
ذكرنا من أن هذا الحكم مختص بالمنسوخ حكمه وجعل مكانه حكمًا آخر فإن ما يكون
تلاوته منسوخة دون حكمه لا يثبت مكانه حكم آخر. فإن قيل فَكَيْفَ يكون مصلحة في وقت
ثم يكون مفسدة في وقت آخر مع أنه لا بد في المأمور به من الحسن والمنهي عنه من
القبح. قلنا أما عند الأشاعرة فلأن الحسن والقبح بسَبَب الأمر والنهي، وأما عندنا فلأن
الحسن والقبح وإن كان لذات الْفعْل أو لصفة من صفاته لكن الحسن والقبيح لذاته فيما
اختلف باخْتلَاف الإضافات هُوَ المجموع المركب تركيبًا اعتباريًا من الْفعْل والْإضَافَة فالْفعْل
جنس والإضافات فصول مقومة لأنواعه فالحسن والقبيح لذاته هُوَ الأنواع لا الجنس نفسه
فالحكم الذي يكون مصلحة في وقت نوع لا تبدل لحسنه أصلًا وما يكون مفسدة حكم آخر
بحسب الْخُضُوع وإن اتحدا بحسب الجنس مثلًا شرب الخمر بالْإضَافَة إلَى وقت عيسى عليه
السلام وابتداء الْإسْلَام نوع مغاير لشرب الخمر في وقت النهي فما هُوَ حسن من النوع
لا يكون مفسدة بالنسبة إلَى وقته وما هُوَ مفسدة لا يكون عين النوع الحسن بل نوع آخر
فهو مفسدة، وإنَّمَا لدخول الوقت في ماهية وكذا ضرب اليتم حسن بنية التأديب قبيح
بالْإضَافَة إلَى الإذاء وقس عليما ما عداه.
قوله:(وقرأ ابن كثير وأبو عمرو يُنَزِّلُ بالتخفيف. قالُوا أي الكفرة. [إِنَّما أَنْتَ مُفْتَرٍ] متقول على الله تأمر بشيء
ثم يبدو لك فتنهى عنه) بالتخفيف أي بتخفيف الزاء وسكون النون بناء عَلَى أن التنزيل
والْإنْزَال يستعمل كل منهما في مَوْضع الآخر وإن كان فرق بَيْنَهُمَا بأن الأول التدريج في
النزول والْإنْزَال والثاني أعم من ذلك. قوله ثم يبدو لك أي يظهر لك رأي آخر غير الأول.
قوله:(وهو جواب إِذا. وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما يُنَزِّلُ، اعتراض لتوبيخ الكفار على قولهم والتنبيه
على فساد سندهم ويجوز أن يكون حالًا)اعتراض بين الشرط والْجَوَاب وفَائدَة الاعتراض
توبيخ الْكُفَّار بأنهم جاهلون بالمصالح والمفاسد، ويجوز أن يكون حالًا والواو رابطة وهذه
الحال من قبيل الحال المؤكدة أخره؛ لأن كونه حالًا مأول بكونه مقرونًا يكون الله أعلم مثل
قوله: جاءني زيد والشمس طالعة. وفيه التفات من التَّكَلُّم إلَى الغيبة لتربية المهابة، والْمُرَاد
بسندهم قولهم تأمر بشيء الخ. ومقتضى كلامهم تنهي عن شيء ثم يبدو لك فتأمر به.
قوله: (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ حكمة الأحكام ولا يميزون الخطأ من [الصواب] ) بل أكثرهم