الكَشَّاف كان قبيحًا ؛ إذ نفي الحسن لا يستلزم القبح، والْمُرَاد بالحسن والقبح هنا الْكَمَال
وعدم الْكَمَال وهو عقلي اتفاقًا .
قَوْلُه تَعَالَى: (قالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذابٌ أَلِيمٌ(18)
قوله: (قالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنا بِكُمْ) لما ألزمهم الرسل بأنا قد بلغنا بالآيات
الواضحة وخرجنا عن العهدة انتقلوا إلَى بحث آخر كما هُوَ ديدن المغلوبين و(قَالُوا إنا
تطيرنا بكم)بالتَّأْكيد للمُبَالَغَة في صدق مقالهم .
قوله: ( [تشاءمنا] بكم) فعل ماضٍ متكلم مع الغير من باب التفعل أصل معناه كان في
التفأل بالطير البارح والسانح فإن العرب كانوا ينسبون الخير والشر إلَى الطائر فإن مر سانحًا
وهو الطير الذي يكون يمينه يمين من لقيه والبارح بخلافه يتيمنون به وإن مر بارحًا [يتشاءمون]
به ثم عم وهنا الكفرة خذلهم الله تَعَالَى [تشاءموا] بمن هُوَ خير محض وبركة بحت وقالوا:
(إنا تطيرنا بكم) .
قوله: (وذلك لاستغرابهم ما ادعوه واستقباحهم له وتنفرهم عنه) وذلك لاستغرابهم
الخ. وذلك الاستغراب بعد إقامة البينة عَلَى المدعي بلا ارتياب لشدة شكيمتهم وطبع قلوبهم
وفرط تعنتهم فلا إشكال بأن هذا الاستغراب بعد البيان ورفع الارتياب لا وجه له. نعم
الأولى ما ذكرناه من أنهم لما عجزوا عن المعارضة تحيروا واشتغلوا بالترهات كما هُوَ
ديدن السفهاء حين العجز عن معارضة العظماء (عن مقالتكم هذه) .
قَوْلُه تَعَالَى: (قالُوا طائِرُكُمْ مَعَكُمْ أَإِنْ ذُكِّرْتُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ(19)
قوله: (أي سبب شؤمكم معكم وهو سوء عقيدتكم وأعمالكم) أي سبب شؤمكم
إشَارَة إلَى أن الطائر هنا مُسْتَعَار لما هُوَ شر وسبب شؤم في الْحَقيقَة معكم أي مصاحب
منكم ومتبوع لكم وهو سوء عقيدتكم فإنها التي ساقت إليكم ما يسوؤكم من حبس مطر
وقلة زاد وسائر الشدائد وهذا أبلغ من قوله (طائركم عند الله) وقد مَرَّ
تفصيله في قَوْله تَعَالَى: (وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه) الآية.
قوله: (وَقُرئَ طيركم) الطير جمع طائر أو اسم جمع ومعناه أَيْضًا أسباب [التشاؤم]
لظهوره لم يتعرض له. وفي القاموس: الطير جمع طائر وقد يقع عَلَى الواحد ولعل ترك
الْمُصَنّف تفسير الطير بأسباب شؤم كما فعله الزَّمَخْشَريّ إيماء إلَى أن الطير بمعنى الطائر
كذا قيل. وفيه نظر .
قوله: (وعظتم به، وجواب الشرط محذوف مثل تطيرتم أو توعدتم بالرجم [والتعذيب] )
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: تشاءمنا بكم . قال الرَّاغب: الطائر كل ذي جناح يسبح في الهواء وتطير فلان واطَّير
وأصله التفاؤل بالطير تم يستعمل في كل ما يتفاءل به ويتشاءم. وَقُرئَ «طيركم» قال الزجاج: طائر
وطير بمعنى واحد، ولا أعلم أحد قرأ طيركم بغير ألف .