يباشروا عذابهما وكونهم أهل العرف لا يضر لأنهم أوهموا الولي أنهم أرادوا الْمَعْنَى
اللغوي فإذا هم كاذبون لأنهم حضروا بالمباشرة لكنهم يُريدُونَ الْمَعْنَى العرفي فهم صادقون
لأنهم ما شهدوا فقط بدون المباشرة بل حضروا مع المباشرة فإنهم صادقون في نفي
الحضور بلا مباشرة وهو الْمَعْنَى العرفي .
قوله:(أو لأنا ما شهدنا مهلكهم وحده بل مهلكه ومهلكهم كقولك ما رأيت ثمة
رجلًا بل رجلين)أو لأنا ما شهدنا مهلكهم وحده ويقيد وحده صاروا صَادقينَ فلا يرد
إشكال صاحب الانتصاف عند الإنصاف بأن من فعل أمرين وجحد أحدهما لم يكن في
كذبه شبهة إلَى آخر ما قاله. فإن هذا الإشكال بناء عَلَى الغفول عن قيد وحده لأن من فعل
أمرين وجحد فعل أحدهما حال كونه منفردًا [لم] يكن في صدقه شبهة ، والفرق بين إنكار فعل
أحدهما وبين إنكار كون فعل أحدهما منفردًا واضح ؛ إذ المنكر في الأول ذات الْفعْل وهو
كذب وفي الثاني كونه منفردًا وهو صدق .
قَوْلُه تَعَالَى: (وَمَكَرُوا مَكْرًا وَمَكَرْنا مَكْرًا وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ(50)
قوله: (بهذه المواضعة) أي الحيلة في ادعاء الصدق الْمَذْكُور أو الخدعة في قولهم
لنبيتنه وأهله، وإنما عبر بالمكر لأنهم قصدوا بذلك إبطال الحق والتَّأْكيد بالْمَفْعُول المطلق
في الموضعين للإشَارَة إلَى المُبَالَغَة فيه .
قوله: (بأن جعلناها سببًا لإهلاكهم) أي تلك المواضعة سببًا لإهلاكهم والمكر من
حيث إنه في الأصل حيلة يجلب لها غيره إلَى مفسرة لا يسند إليه تَعَالَى إلا عَلَى سبيل
الازدواج والمشاكلة أي بطَريق الاسْتعَارَة وقد فصل في تفسير قَوْلُه تَعَالَى:(يخادعون الله
والَّذينَ آمَنُوا)الآية. المواضعة الموافقة في أمر مَخْصُوص تقول واضعته فى
الأمر إذا وافقته فيه عَلَى شيء .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
(وَإِنَّا لَصَادِقُونَ) حالًا، وأما عَلَى تقدير عطفها عَلَى ما قبلها ودخولها في حيز القائم لا يلزم
صدقهم حتى يحتاج إلَى تكلف توجيه صدقهم .
قوله: كقوله ما رأيت رجلًا ثمة بل رجلين. يختلف العلماء في أن من حلف أن لا يضرب زيدًا
فضرب زيدًا وعمروا كان حانثًا بخلاف من حلف أن يضرب زيدًا وعمروا فضرب أحدهما فهو محل
خلاف العلماء في الحنث وعدمه. وما أورده رحمه الله في تفسير (وَإِنَّا لَصَادِقُونَ) هُوَ مأخوذ من كلام
صاحب التقريب حَيْثُ قال: لعل الْمُرَاد وما شهدنا مهلك أهله فضلًا أن تولينا إهلاكهم ونحلف إنا
لصادقون أو والحال إلا لصادقون فيما ذكرنا لأن الشاهد للشيء غير المباشر له عرفًا أو لأنا ما شهدنا
مهلك أهله وحدهم بل مهلكه ومهلكهم كقولك: ما رأيت ثم رجلًا بل رجلين. إلَى هنا كلامه. قال الطيبي:
التقدير الأول وهو نحلف إنا لصادقون كما نص عليه الزَّجَّاج ليكون عطفًا عَلَى ما شهدنا ويدخل في
حيز التقاسم أولى وأوجه، ولا يلزم صدقهم ولا يحتاج إلَى تلك التكلفات، وعليه قول إخوة يُوسُف:
(وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا وَالْعِيرَ الَّتِي أَقْبَلْنَا فِيهَا وَإِنَّا لَصَادِقُونَ) فإن قولهم(وَإِنَّا
لَصَادِقُونَ)تأكيد في محل القسم بتقدير ونقسم أو نحلف إنا لصادقون .