قَوْلُه تَعَالَى: (قالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّها يُوسُفُ فِي
نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِها لَهُمْ قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ (77)
قوله: (قَالُوا) كلام مستأنف كأنه قيل ماذًا قَالُوا عند ذلك مع أنهم قد ادعوا البراءة
وأقسموا عَلَى كمال النزاهة وهم عَمَّا فعلوه من وضع السقاية في رحل أخيه غافلون
وببراءتهم مستيقنون. فأجيب بذلك واخْتيرَ الفصل هنالك .
قوله: (إن يسرق) بنيامين) إن يسرق إيرادهم بكلمة الشك لعدم تحققهم بهذا أما
أولًا فلأن السارق الحقيقي لم يولد من بيت النبوة، وأما ثانيًا فلأن مجرد خروج الصواع من
رحله لا يدل عَلَى السرقة، أَلَا [تَرَى] أن بضاعتهم وضعت في رحالهم ولم يكُونُوا سارقين
فليكن هذا أَيْضًا كَذَلكَ بل لا يبعد أن يكون هذا إشَارَة منهم أن السرقة ليست بواقعة وإنما
هي دسيسة ولو فرض السرقة فلا عجب ؛ إذ صورة السرقة وقعت من أخ له وهذا أَيْضًا صورة
السرقة لا السرقة الحقيقية وهذا الْمَعْنَى وإن لم يلائم قوله: (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ)
لكن يمكن تطبيقه بتمحل وكذا قولهم إن ابنك سرق لمحمول عَلَى الصورة .
قوله: (فَقَدْ سَرَقَ) علة الْجَزَاء كما أشرنا إليه أي أن يسرق فليس بعجب فإن أخاه
قد سرق والعرق نزاع .
قوله:(بعنون يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَامُ قيل ورثت عمته من أبيها منطقة إبراهيم عليه السلام
وكانت تحضن يوسف وتحبه، فلما شب أراد يعقوب انتزاعه منها فشدت المنطقة
على وسطه، ثم أظهرت ضياعها فتفحصُ عنها فوجدت محزومة عليه فصارت أحق به في
حكمهم)من أبيها أي إسحاق عَلَيْهِ السَّلَامُ انتزاع يُوسُف عنها وشق ذلك عليها وسلكت
حبلة لإمساك يُوسُف عندها ولم يقدر يَعْقُوب انتزاعه منها فشدت المنطقة التي ورثت من
أبيها عَلَى وسطه بحَيْثُ لا ترى ولا تظهر ثم أظهرت ضياعها ليكون ذريعة إلَى تفحصها
فتفحص عنها فوجدت محزومة بالحاء المهملة والزاء الْمُعْجَمَة أي مشدودة فصارت أحق به
في حكمهم لما مَرَّ من أن جزاء السرقة أخذ من سرق بدلها في شرع يَعْقُوب فأمسكت
عندها ونالت مرامها ولعل مثل هذه الحيلة ترام وترتكب لمصلحة كثيرة ولمنفعة وفيرة .
قوله:(وقيل كان لأبي أمه صنم فسرقه وكسره وألقاه في الجيف. وقيل كان في
البيت عناق أو دجاجة فأعطاها السائل. وقيل دخل كنيسة وأخذ تمثالًا صغيرًا من الذهب)
[فأعطى السائل] أي أعطاه السائل قيل واعلم أن ما ذكر في تفسير إن يسرق تبع فيه غيره
وفي البحر لابن المنير إنه تكلف لا يسوغ نسبة مثله إلَى بيت النبوة فالواجب تركه. وإليه
ذهب مكي. وفسره بعضهم بأن سرق فقد سرق مثله بين بني آدم وذكر له نظائر في
الْحَديث وهو كلام حسن حقيق بالقبول انتهى. وهذا كلام جيد لو وافق قوله:
(فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ) الآية. ونحن لا نتعقل موافقته ولا نتخيل
ملاعبته والله تَعَالَى أعلم بأسرار كلامه .