يملك أحد أن يتكلم في أمره دون إذنه ورضاه. [ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ] . يوم القيامة فيكون الملك له أيضًا [حِينَئِذٍ] ) فإنه
مالك الملك كله نبه به عَلَى أن الْمُرَاد بالسَّمَاوَات جانب العلو والْأَرْض جانب السفل
فيتناول المخلوقات كلها، وعن هذا قال مالك الملك كله وهذا يستلزم أن لا يملك أحد أن
يتكلم في أمره الخ. فضلًا عن الشفاعة دون إذنه للشفيع والمشفوع له جَميعًا فلا يشفع أحد
إلا بإذنه للشفاعة ولا يشفع لكل أحد بعد الإذن إلا بإذن المشفوع له (ثم إليه)
فقط لا إلَى غيره (ترجعون) بالبعث للجزاء. قوله فيكون له الملك أَيْضًا
[حِينَئِذٍ] فيزول الملك الصوري عن غيره بالمرة وبهذا يتم الْجَوَاب؛ إذ نفي الشفاعة عن غيره إلا
بإذنه إنما يظهر عَلَى وجه علم اليقين في الْآخرَة، وبهذا الْقَوْل أشير إلَى أن الملك [حِينَئِذٍ] للَّه
تَعَالَى كما قال تَعَالَى: (مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ) وقَوْلُه تَعَالَى:(لمن الملك اليوم
لله الواحد القهار).
قَوْلُه تَعَالَى: (وَإِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَحْدَهُ اشْمَأَزَّتْ قُلُوبُ الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَإِذَا ذُكِرَ
الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ (45)
قوله: (دون آلهتهم) فذكر الله تَعَالَى وآلهتهم معًا لم يذكر هنا والظَّاهر أن حالهم [حِينَئِذٍ]
بين الأمرين.
قوله: (انقبضت ونفرت) أصل معنى الاشمئزاز انقباض الجلد ونحوه ثم شاع في
النفرة والظَّاهر من كلامه أنه جمع بين المَعْنَيَيْن لكن مراده الثاني وذكر الأول التَّنْبيه عَلَى
المناسبة بين الْمَعْنَى الأصلي والنفرة ثم إسناد النفرة إلَى الْقُلُوب مجاز لكونها محلًا له
فالْمُرَاد نفرة صاحب الْقُلُوب ولذا أسند الاستبشار إلَى ذواتهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
والْأَرْض) جملة مقررة لقوله: (لله الشفاعة جَميعًا) لأنه إذا كان له
الملك كله ومن جملة الملك الشفاعة كان مالكًا لجنس الشفاعة جَميعًا.
قوله: دون آلهتهم. يعني إذا أفرد اللَّه بالذكر ولم يذكر معه آلهتهم اشمأزوا وانقبضوا وإذا ذكر
الَّذينَ من دونه وهم آلهتهم ذكر الله معهم أو لم يذكر استبشروا فقوله دون آلهتهم إشَارَة إلَى أن لفظ
وحده ليس واردًا عَلَى وجه الاعتراض مثل لفظ تَعَالَى أو سبحانه أو عز وجل بعد ذكر اسم الجلال
بل الْمَعْنَى أن مدار هذه الآية وما سيق له الْكَلَام هُوَ معنى التوحيد فسبق معنى وحده عَلَى ذلك
المساق؛ إذ لو قيل: وإذا ذكر اللَّه اشمأزت قلوب الَّذينَ لا يُؤْمنُونَ بالْآخرَة لكان
الْكَلَام بمعزل عن المقصود لأنهم ما كانوا يشمئزون إذا شفع ذكر الله بذكر آلهتهم إذا ذكرت آلهتهم
وحدها كانوا يستبشرون، وإنما كان اشمئزازهم من ذكر الله وحده فنبه الله بوضع قوله(الَّذينَ لا
يُؤْمنُونَ بالْآخرَة)مَوْضع الضَّمير عَلَى أنهم ما اشمأزوا إلا أنهم ركنوا إلَى اللذات
العاجلة وانغمسوا في الشهوات النفسانية فإذا سمعوا قول لَا إلَهَ إلَّا الله فاستلزم ذلك الْعبَادَة لله
وحده والتجافي عن دار الغرور والإنابة إلَى دار الخلود وظهرت آثار الكآية عَلَى وجوههم
وانقبضت قلوبهم وضاقت صدورهم وإذا ذكرت أصنامهم مالت قلوبهم إلَى اللذات العاجلة
واستبشروا وفرحوا.