قوله: (أي لا ينفذه ولا يسدده) فهداية الكيد مجاز عن تنفيذه بعلاقة اللزوم أو التنفيذ
لازم للهداية أو اسْتعَارَة تبعية؛ إذ التنفيذ كالهداية في وصول المطالب.
قوله:(أو لا يهدي الخائنين بكيدهم فأوقع الفعل على الكيد مبالغة. وفيه تعريض
براعيل في خيانتها زوجها)أو لا يَهْدي الخائنين فالهداية عَلَى معناها فالْمَجَاز في الإيقاع
أوقعت عَلَى الكيد لكونه سببًا لعدم الهداية والْمَجَاز اعتبر عَلَى الْإثْبَات كقَوْله تَعَالَى:(فما
ربحت تجارتهم)جعل من قبيل الْمَجَاز العقلي مع أن عدم الربح منتف في
التجارة في نفس الأمر، ولما اعتبر الْإثْبَات كأنه أسند الربح إلَى التجارة مع أنه حال التجارين
وكذا الْكَلَام في هذا المقام مُبَالَغَة. وجه المُبَالَغَة هُوَ أنه إذا لم يهد بهذا السبب علم منه عدم
هداية مسببة بطَريق الأولى فهذا طريق برهاني والباء في بكيدهم متعلق بالخائنين أو لا
يَهْدي. وهذا الأخير هُوَ الملائم لكلام المص والتقرير الْمَذْكُور وفيه تعريض براعيل فمكر
راعيل لما لم يسدد فعلم أنه كيد، وأما سؤالي لو كان كيدا لما نفذ لكن سدد فلم يكن كيدًا.
قوله: (وتوكيد لأمانته ولذلك عقبه بقوله:
(وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إِلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إِنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ(53)
قوله: (وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي) أي لا أنزهها تنبيهًا عَلَى أنه لم يرد بذلك
تزكية نفسه والعجب بحاله) وتوكيد وعدم خيانته فهذه الْجُمْلَة تذييل وكونه تعريضًا لا ينافيه
فلذا أتى بالواو دون أو أي لا أنزهها عن السوء من حيث هي هي، ولا أسند هذه الأمانة
والصداقة وكمال الصّفَة بلا توفيق من الله تَعَالَى فإن مقتضى طبيعتها من حيث هي هي مائلة
إلى السوء ومراده عَلَيْهِ السَّلَامُ رفع الإعجاز والتزكية عن نفسه النفيسة عملًا بمضمون قوله
تَعَالَى: (فلا تزكوا أنفسكم) وإلى هذا أشار بقوله تنبيهًا ولم يرد بذلك الخ.
قوله: (بل إظهار ما أنعم الله تَعَالَى عليه من العصمة والتوفيق) بملاحظة(إلا ما
رحم ربي)وفي هذا الإظهار عمل بمضمون قوله:(وأما بنعمة ربك
فحدث)ولما كان حاصل الْمَعْنَى بيان أن هذه الصّفَة والأمانة حاصلة
لي بمحض العناية والتوفيق من الله تَعَالَى الرحيم لا من قبل نفسي فإنها من حيث هي
مائلة إلَى الشهوات معرضة عن الطاعات سواء كان نفس الأبرار أو الأشرار لا حاجة
إلى حمل الْكَلَام عَلَى أنه هضم لنفسه والبعض حمله عليه أنه يليق بحسن الأدب لكن
اعترف ذلك أن قوله: (لأمارة بالسوء) شاملة لنفسه عَلَيْهِ السَّلَامُ
حيث قال في تفسير (إن النفس لأمارة) أي النفس البشرية التي من
جملتها نفسي في حد ذاتها انتهى. فلا حاجة إلَى الحمل الْمَذْكُور. قول المص من حيث
إنها بالطبع إشَارَة إلَى ما ذكرناه آنفًا من أن نفسه عَلَيْهِ السَّلَامُ داخل كَيْفَ لا ويختل
الربط حِينَئِذٍ.
قوله: (وعن ابْن عَبَّاسٍ رضي الله تَعَالَى عنهما أنه لما قَالَ(ليعلم أني لم أخنه) قال له