جبْريل ولا حين هممت فقال: ذلك) ذكر هذا في كثير من التفاسير وفهم من قوله ولا حين
هممت؟ فقال (ذلك) إن الخيانة في وقت الهم متحقق فاعتذر عَلَيْهِ السَّلَامُ بهذا وقد حقق فيما
سبق أن ذلك الهم ميل طبيعي لا يدخل تحت التكليف ولا يلام عليه بل حقيق بالأجر
الجزيل والمدح الجميل من ترك المعصية مع وجود الهم المذكور فخبر الآحاد لا يقاوم
القاعدة الْمَذْكُورة قولهم حسنات الأبرار سيئات المقربين الأحرار لا مساس له هنا بعد عدم
دخوله تحت التكليف، فالْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ: معنى ولا حين هممت ولا ميل منك حين هممت.
المفهوم من قوله لم أخنه بالْغَيْب أي لم يكن الخيانة صادرة مني بالميل إلَى ما دعتني فقال
له جبْريل ولا حين هممت .
قوله: (من حيث إنها بالطبع مائلة إلَى الشهوات فتهم بها، وتستعمل القوى والجوارح)
فأشبه الآمر من تلك الحيثية ؛ إذ الأمر اسْتعْمَاله لها لكنه بالْقَوْل وفي الهم اسْتعْمَال لها
بالحمل عليه فقوله (أمارة بالسوء) من قبيل التشبيه البليغ .
قوله: (في أثرها كل الأوقات) إشَارَة إلَى أن (ما رحم) مستثنى من
عموم الأوقات كما نبه عليه بقوله إلا وقت رحمة ربي بناء عَلَى أن لفظة (ما) مصدرية حيثية
وقيل يدل عليه صيغة المُبَالَغَة في أمارة وصيغة المُبَالَغَة دلالتها عَلَى العموم غير واضحة ؛ إذ
المُتَعَارَف فيها المُبَالَغَة في الكَيْف ولو أُريد المُبَالَغَة في الكم لدلت عَلَى الكثرة دون الكلية .
قوله: (إلا وقت رحمة ربي، أو إلا ما رحمه الله من النفوس فعصمه من ذلك) فما
بمعنى مَن واسْتعْمَال ما في ذوي العقول شائع إذا أريد به الوصف أي إلا المرحوم الذي
رحمه الله تَعَالَى من فضله فـ [حِينَئِذٍ] يكون الْمُسْتَثْنَى منه النفوس فالتقدير الْمَذْكُور لا يعتبر هنا بل
التقدير هكذا أن جميع النفوس لأمارة بالسوء إلا المرحومين أخَّره مع أن المقصود حاصل
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: قال جبريل ولا حين هممت. أي لما قال يوسف (لِيَعْلَمَ أَنِّي لَمْ أَخُنْهُ بِالْغَيْبِ) أي لم
أخنه حال غيبتي عنه أو حال غيبته عني. قال جبْريل مستفهمًا أو لم تخنه حين هممت. وقيل قالت
راعيل حين قال جبْريل ولا حين هممت ولا حين حللت تكة [سراويلك] فقال يُوسُف:(وَما أُبَرِّئُ
نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ)أي إنها بحسب الطبع والجبلة .
قوله: ميالة إلَى المشتهيات لا يمكن دفعها عنها في بدء الأمر ؛ إذ لم يكن دفعها في وسع
البشر، وإنما العيار ثاني الحال فيقدم إليها من لم يقارنه التوفيق من الله تَعَالَى ولم ينبعث من قلبه
زاجر إلهي، فالْمَعْنَى وما في وسعي أن أبرئ نفسي عن الهم إلَى ما تشتهيه؛ لأن النفس بحسب
الفطرة والطبع ميالة إليه لا قدرة لي في دفع همها إليه في بدء الحال، وإنَّمَا دفعته ببرهان من ربي
سنح لي في ثاني الحال رحمة عليَّ من ربي .
قوله: إلا وقت رحمة ربي. يريد أن الاستثناء في (إلا ما رحم ربي) مفرغ
و (ما) في (ما رحم) دوامية أي مصدرية بتقدير وقت مضاف إلَى (ما رحم)
فالْمَعْنَى إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ في جميع الأوقات إلا وقت رحمة ربي فإنها لا
تأمر بالسوء في ذلك الوقت .