معناه محل أممًا من أرسلنا وهم أهل الْكتَابَين التَّوْرَاة والْإنْجيل انتهى. فَكَيْفَ يكون الاستشهاد
بإجماع الْأَنْبيَاء عَلَى التوحيد في السؤال عن تلك الأمم وعن النظر في الْكتَابين فليتأمل.
قوله:(والدلالة على أنه ليس ببدع ابتدعه فيكذب ويعادي له، فإنه كان أقوى ما حملهم
على التكذيب والمخالفة)والدلالة عَلَى أنه أي الدعوة إلَى التوحيد والزجر عن عبادة الأوثان
ليس ببدع ابتدعه اخترعه عَلَيْهِ السَّلَامُ من تلقاء نفسه كقَوْله تَعَالَى:(قل ما كنت بدعًا من
الرسل)الآية. قوله فيكذب بالنصب جواب النفي ويعادي له عطف عليه قوله
فإنه التوحيد والدعوة إليه والضَّمير في ما حملهم راجع إلَى الْمُشْركينَ والمخالفة فإذا لم يكن
الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَامُ بدعًا من الرسل، فلا وجه للعداوة والتَّكْذيب، فقولهم إنه مخترع ما سمعنا
بهذا في آبائنا الأولين بناء عَلَى التعصب يندفع بالسؤال عن أهل الْكتَابين، ولذا قال الْمُصَنّف في
تفسير (أجعلنا) الآية هل حكمنا بعبادة الأوثان وهل جاءت قط في ملة من الملل.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَإِهِ فَقَالَ إِنِّي رَسُولُ رَبِّ
الْعَالَمِينَ (46)
قوله: (يريد باقتصاصه تسلية رسول الله صلّى الله عليه وسلم ومناقضة قولهم
(لَوْلا نُزِّلَ هذَا الْقُرْآنُ عَلى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) ومناقضة قولهم أي إبطاله(لولا نزل
هذا الْقُرْآن)الآية. لأن مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مع عدم ماله وجاهه كان له مع
فرعون وهو ذو مال عظيم وجاه جسيم ما كان من الدعوة إلَى التوحيد وغيرها وقد أيده الله
بالوحي والمعجزات الباهرة فبطل قولهم.
قوله: (والاستشهاد يدعوة مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ إلَى التوحيد) عَلَى التوحيد بعد
الاستشهاد بإجماع الْأَنْبيَاء لأن قصة مُوسَى مَشْهُورة عندهم.
قَوْلُه تَعَالَى: (فَلَمَّا جَاءَهُمْ بِآيَاتِنَا إِذَا هُمْ مِنْهَا يَضْحَكُونَ(47)
قوله: (فاجأوا وقت ضحكهم منها) أَشَارَ إلَى أن إذا للمفاجأة وعامل إذا مقدر وهو
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: فإنه كان أقوى ما حملهم عَلَى التكذيب. أي فإن التوحيد أقوى ما حملهم عَلَى تَكْذيب
رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وجه كونه أقوى أنهم أهل إشراك يعادون أهل التوحيد ويخالفونه لتضاد ومخالفة
بَيْنَهُمَا في الدين.
قوله: ومناقضة قولهم (لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ) .
وجه المناقضة أن من أسلافهم فرعون وقومه استحقروا مُوسَى حَيْثُ قال:(أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا
الَّذِي هُوَ مَهِينٌ وَلَا يَكَادُ يُبِينُ)ومع ذلك منحه الله تَعَالَى النبوة والرسالة ودعاهم
إلى الحق فأبوا فأهلكهم الله فقد ظهر لهم من ذلك أن العظيم من هُوَ عظيم بالفضائل القدسية لا
من عظيم بالمال والجاه فقول هَؤُلَاء الكفرة (لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ)
مع علمهم حال فرعون مع مُوسَى وغلبته عليهم مع استحقارهم له قول ساقط واحتجاج فاسد.