يدل عَلَى تحققه غير ثابت، وأما في العقليات فيجوز أن يكون المدعي صادقًا في دعواه مع
كونه عاجزًا عن إثباته والمقام قرينة عَلَى أن مراده الْقَوْل في السمعيات فلا إشكال بأنه إن
أريد به أنه غير ثابت عند الخصم فلا ينافي الصدق في الدعوى، وإن أريد نفسه أنه غير ثابت
في نفس الأمر فهو ممنوع؛ لأن انتفاء الدليل الذي هُوَ سبب العلم لا يقتضي انتفاء المدلول
في نفس الأمر. وجه عدم الإشكال هُوَ أن السمعيات لا ثبت في نفس الأمر ما لم يدل عليها
دليل من الشارع ولهذا البيان اندفع إشكال آخر وهو أن الْكَلَام في الصدق لا في الثبوت
والثاني دون الأول وكثيرًا ما يتخلف لما عرفت من أن الشرعيات لا فرق فيها بين الثبوت
والصدق عَلَى أنهما في العقليات لا فرق بَيْنَهُمَا أَيْضًا إذا أريد الثبوت في نفس الأمر
وتخلفهما فيما إذا أُريد الثبوت عند الخصم فيتحقق الصدق دون الثبوت عنده في بعض
الأحيان وبالعكس أَيْضًا فلا تغفل .
قَوْلُه تَعَالَى: (بَلى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للَّه وَهُوَ مُحْسنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عنْدَ رَبّه وَلا خَوْفٌ عَلَيْهمْ
وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (112)
قوله: (إثبات لما نفوه) لما كانت بلى إيجابًا لما نفي ؛ إذ قد قرر في موضعه أن بلى
لإبطال النفي السابق استفهامًا أو خبرا، وإن حكى الرضي عن بعضهم أنه أجاز اسْتعْمَالها بعد
الإيجاب، لكن الْمَشْهُور الْمَفْعُول به هُوَ الأول .
قوله: (من دخول غيرهم الجنة) وإذا نفى ذلك يلزم منه نفي ما أثبتوه من اخْتصَاصهم
بدخول الجنة فبقي أصل الدخول قوله: (من أسلم) الآية. ينفي أصل
دخولهم إذا لم يسلموا، فلا يقال إنه يفهم منه أن دخول الْيَهُود أو النصارى واقع بدون
اخْتصَاص، ولعل لدفع هذا في أول الأمر ذهب مَوْلَانَا أبو السعود بلى إثبات من جهته تَعَالَى
لما نفوه مستلزم لنفي ما أثبتوه؛ [إذ] ليس الثابت مجرد دخول غيرهم الجنة ولو معهم ليكون
المنفي مجرد اخْتصَاصهم به مع بقاء أصل الدخول عَلَى حاله بل هُوَ اخْتصَاص غيرهم
بالدخول كما ستعرفه بإذن الله تَعَالَى. ظهر أن المنفي أصل دخولهم الخ. وأنت خبير بأن
إثبات بلى لا يكون إلا ما نفي قبلها وهو دخول غيرهم، وهذا النفي مستلزم لنفي ما أثبتوه
وهو اخْتصَاصُهم بدخول الجنة، وأما أصل الدخول فضمنية وصرف النفي إليه خلاف القاعدة
المقررة وإن استلزم هذا النفي نفي الاخْتصَاص، وأما وهْم بقاء أصل الدخول فمع كونه
مفهومًا بطَريق المفهوم المخالفة يدفعه صريح قَوْلُه تَعَالَى: (مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ للَّه) .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
فلا بد له من الدليل والبرهان، وذلك أصدق الدلائل عَلَى بطلان الْقَوْل بالتقليد. وفي الكَشَّاف وهذا
أهدم شيء لمذهب المقلدين وأن كل قول لا دليل عليه فهو باطل غير ثابت. قوله وأن كل قول
عطف عَلَى أهدم، وصحة هذا التركيب يحتاج إلَى تقدير مضاف أي وبيان أن كل قول لا دليل عليه
فهو باطل. قَالَ الشاعر:
من ادعى شَيْئًا بلا شاهد ... لابد أن تبطل دعواه