المتمكن منه بالإِقبال على الجدال الباطل خروج من الهدى إلى الضلال، وأنه من حيث هو
مؤداه كالغرض له) المتمكن منه صفة الهدى ولهذا يجوز أن يكون اسم فاعل أو اسم
مَفْعُول. قوله بالإقبال متعلق بالإعراض خروج من الهدى، وبهذا اندفع الإشكال بأنه لم يكن
مهتديًا حتى يقال ليضل فأفاد أن التمكن من الهدى عد من الهدى لكونه هدى بالْقُوَّة القريبة
من الْفعْل وبهذا أول قَوْلُه تَعَالَى: (أُولَئكَ الَّذينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بالْهُدَى) .
وأمثاله. قوله وأنه من حيث هُوَ الخ. جواب عن إشكال آخر بأنه كَيْفَ يكون الضلال غرضًا
من الجدال والعاقل لا يقدم عليه وأنه لا يظن أنه ضلال فَكَيْفَ يكون غرضًا له؟ فأجاب بأنه
لما كان عاقبة جداله الضلال كان مشابهًا بالغرض في الترتب عَلَى الْفعْل فاللام الداخلة عليه
لام العاقبة ومسْتعَارَة لها من الغرض اسْتعَارَة تبعية فتأمل وكن عَلَى بصيرة .
قوله: (وهو ما أصابه يوم بدر) من قتل بعضهم وأسر بعضهم الآخر. الْكَلَام وإن كان
خاصًا بالْمُشْركينَ من أهل مكة لكن الحكم عام .
قوله: (ونذيقه) فيه اسْتعَارَة تبعية قد مر توضيحه في أواخر سورة آل عمران(المحرق
وهو النَّار).
قَوْلُه تَعَالَى: (ذلِكَ بِما قَدَّمَتْ يَداكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ(10)
قوله: (عَلَى الالْتفَات أو عَلَى تقدير الْقَوْل أي يقال له يَوْم الْقيَامَة ذلك الخزي
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
صفة الهدى بمعنى المقدور عليه. وكلامه هذا مشتمل عَلَى جوابين لسؤالين مقدرين واردين عَلَى قراءة
فتح الياء في (ليضل) [تقرير السؤال] الأول أنه كَيْفَ يصح أن يقال في حق المجادل
المعرض عن الحق الضال بالْفعْل ليضل عَلَى لفظ التجدد الموهم أنه كان قبل هذا مهتديًا وهو ما كان
متصفًا بالاهتداء قط. وتقرير السؤال الثاني أنه كَيْفَ يصح تعليل الجدال بالضلال وما كان غرض ذلك
المجادل من حداله أن يضل عن سبيل الله. فأشار رحمه الله إلَى جواب السؤال بقوله عَلَى أن إعراضه
عن الهدى المتمكن منه الخ. فيكون من قبيل (أُولَئكَ الَّذينَ اشْتَرَوُا الضَّلَالَةَ بالْهُدَى) .
في جعل التمكن من الهدى والاقتدار عليه كحصوله بالْفعْل كما في أحد تأويلي (هُدًى للْمُتَّقينَ)
وأَشَارَ إلَى جواب السؤال الثاني بقوله وأنه من حيث هُوَ مؤداه كالغرض له فيكون
اسْتعْمَال لام التعليل فيه من قبيل الاسْتعَارَة التبعية الكائنة في الحروف كما في قوله عز من قائل:
(فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا) فإن الضلال لما كان غاية مترتبة عَلَى
الجدال ترتب الغرض عَلَى فعل لأجله استعمل فيه ما حقه أن يستعمل في الغرض وهو لام التعليل
على وجه الاسْتعَارَة كما أن كلًا من العداوة والحزن لما كان غاية مترتبة عَلَى الالتقاط كان كالغرض
منه في الترتيب عَلَى الْفعْل فاستعمل فيه ما كان مستعملًا في الغرض .
قوله: أي يقال له يوم الْقيَامة ذلك الخزي والتعذيب بسَبَب ما اقترفته من الكفر والمعاصي
اقتراف الكفر والمعاصي أي اكتسابهما وإن كان مسندًا في الْحَقيقَة إلَى الشخص لكن لما كان محل
ظهوره اليد أسند في الآية الكريمة إلَى اليد مَجَازًا لكن أسند رحمه الله في تفسيرها إلَى الشخص
حيث قال بسبب ما اقترفته بصيغَة الخطاب بيانًا لما أسند هُوَ إليه حَقيقَة. فإن قيل عطف(وأن الله
ليس بظلام للعبيد)عَلَى (ما قدمت يداك) وتشريكه به في السببية يقتضي أن يكون