السخرية بطَريق ذكر السبب وإرادة المسبب في كلا الموضعين لا الأخير فقط؛ إذ لا ينتظم
الْكَلَام حِينَئِذٍ. والْمَعْنَى قال إن تسخروا أي إن تستجهلوا لنا فيما نحن فيه (فإنا نسخر منكم)
أي نستجهلكم فيما أنتم عليه، ويرد عليه أن استجهاله عَلَيْهِ السَّلَامُ إياهم فيما هم عليه من
إصرارهم عَلَى الكفر ليس محلقًا باستجهالهم إياه عَلَيْهِ السَّلَامُ فيما هُوَ عليه من عمل السفينة
بل استجهاله عَلَيْهِ السَّلَامُ لهم في اختيارهم الكفر ثابت سواء كان استجهالهم أو لم يكن
بخلاف السخرية الحقيقية، ولعل لهذا مرضه المص وزيفه.
قَوْلُه تَعَالَى: (فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ مُقِيمٌ(39)
قوله: (فسوف تَعْلَمُونَ) الفاء للسببية؛ إذ سبقه ذكر وعد يجري مجرى السبب
وسيذكر المص ما يتعلق به في قصة شعيب عَلَيْهِ السَّلَامُ وهذا يؤيد عدم كون الْمُرَاد
بالسخرية الاستجهال فإن قوله: (فإنا نسخر منكم) حِينَئِذٍ لا يفهم منه الوعيد
فذكر الفاء السببية بعده يحتاج إلَى تكلف بعيد.
قوله: (يعني به إياهم وبالعذاب الغرق) لكن ترك التصريح والْمُوَاجَهَة بل ذكر بطَريق
المنصفين لأن هذا أدخل في دفع مجادلتهم الباطلة وقع خصومتهم الفاسدة ولو قيل فَسَوْفَ
تَعْلَمُونَ مَنْ يَأْتِيهِ عَذابٌ يُخْزِيهِ أي من المعذب مني ومنكم لم يبعد وسيأتي توضيح هذا
المقام في قصة شعيب عَلَيْهِ السَّلَامُ وحمل العذاب عَلَى الغرق لقوله(وَيَحِلُّ عَلَيْهِ عَذابٌ
مُقِيمٌ)فإن الْمُرَاد به عذاب الْآخرَة فيحسن التقابل بذلك ولو حمل عَلَى العموم وجعل
ويحل تَخْصيصًا يعم التعميم تنبيهًا عَلَى هول عذاب الْآخرَة وشدته ودوامه لكان أبلغ.
قوله: (وينزل) أي يحل مجاز أريد به ينزل لكونه سببًا له.
قوله: (أو يحل عليه حلول الدين الذي لا انفكاك عنه) فعلى هذا يكون اسْتعَارَة
تمثيلية. وقيل اسْتعَارَة تبعية مكنية شبه حكم الله تَعَالَى بغرقهم بالدين اللازم أداؤه، فالأولى
بإحراقهم أو بحرقهم بدل غرقهم قوله حلول الدين مصدر تشبيهي مثل فلان يسير سير
البريد قوله الذي لا انفكاك عنه إشَارَة إلَى وجه الشبه والعلاقة.
قوله: (دائم) إشَارَة إلَى أن الإقامة اسْتُعيرَت للدوام كذا قيل. (وهو عذاب النَّار) .
قَوْلُه تَعَالَى: (حَتَّى إِذا جاءَ أَمْرُنا وَفارَ التَّنُّورُ قُلْنَا احْمِلْ فِيها مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ
وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ وَمَنْ آمَنَ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ (40)
قوله: (غاية لقوله ويصنع الفلك) الأولى غاية لصنعة الفلك.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: يعني به إياهم أي يعني بمن يأتيه عذاب هَؤُلَاء المستهزئين.
قوله: غاية لقوله: (يصنع) فالْمَعْنَى وكان يصنعها إلَى أن جاء
وقت الوعد.