قوله: (خالق جميع ما وجد من الممكنات ومربيها) وفيه تقرير لما قبله والْعَالَمينَ
يتناول جميع الممكنات الموجودة بالتغليب. قوله ومربيها بيان معنى الرب بعد التَّنْبيه عَلَى أن
الْمُرَاد به خالق ما وجد جَميعًا من الممكنات مع ملاحظة معنى التَّرْبيَة وهي إيمانه إلَى
كماله شَيْئًا فشَيْئًا فلا يلزم الجمع بين المَعْنَيَيْن المشتركين أو بين الْحَقيقَة والْمَجَاز.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً
لِلسَّائِلِينَ (10)
قوله: (اسْتئْنَاف غير مَعْطُوف عَلَى خَلَقَ للفصل بما هُوَ خارج عن الصلة) اسْتئْنَاف أي
ابتداء كلام فإنه قد يصدر بالواو لتحسين اللَّفْظ غير مَعْطُوف عَلَى خلق. هذا تصريح بما علم
التزامًا لأنه ذكر وجهه بقوله للفصل بـ ما أي بالجملتين [إحداهما] وتجعلون الخ. والثانية ذلك
رب الْعَالَمينَ وهما خارج عن الصلة؛ إذ الأولى مَعْطُوف عَلَى تَكْفُرُونَ والثانية اعتراضية
مقررة لمضمون ما قبلها وهما أجنبيان والفصل بالأجنبي يمنع العطف. وأُجيب أولًا بمنع
كون ذلك أجنبيًا بأن الْجُمْلَة الأولى متحدة بقوله: (لتَكْفُرُونَ) معنى وإن
تغايرا لفظًا فهو بمنزلة الإعادة له وبأن الْجُمْلَة الثانية اعتراضية مقررة لمضمون الْكَلَام
السابق فهي بمنزلة التَّأْكيد فالفصل بهما كلا فصل، وفي هذا الاعتبار بلاغة من جهة الْمَعْنَى
لأنه يفيد التَّنْبيه عَلَى أن مجرد الْمَعْطُوف عليه كاف في تحقق الربوبية واستحالة أن يجعل له
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
خلق لما يلزم الفصل وليس من الصلة في شيء. وقال الطيبي: الْكَلَام مفرغ في قالب محكم
رصين لا يجوز التفكيك لا بالحال ولا بالاسْتئْنَاف فإن قوله وجعل عطف عَلَى خلق وكَذَلكَ
وتجعلون عطف عَلَى تَكْفُرُونَ فكان أصل الْكَلَام أئنكم لتَكْفُرُونَ بالذي خلق الْأَرْض في يومين
وجعل فيها رواسي من فوقها بدليل قوله: (فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً) لأنه فذلكة لمدة خلق الله
الْأَرْض وما فيها وفيه تصريح بأن جعل مَعْطُوف عَلَى خلق ثم لمزيد الإنكار جيء بقوله:
(وتجعلون للَّه أندادًا) لأنه عطف عَلَى سبيل البيان عَلَى قوله:(لتَكْفُرُونَ بالذي خلق
الْأَرْض)لأن قوله (وتجعلون له أندادًا) أبين من تَكْفُرُونَ و (رب الْعَالَمينَ) أجمع
من الذي خلق نظيره قَوْلُه تَعَالَى(قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ
الْحَرَامِ)عطف عَلَى سبيل الله واتحادهما جوز ذلك كأنه قيل: صد عن سبيل الله
والمسجد الحرام كَذَلكَ هَاهُنَا التقدير أنكم لتجعلون أندادًا لمن خلق الْأَرْض في يومين وجعل
فيها كذا وكذا. أقول: هذا التأويل لا يخلو أَيْضًا عن الفصل بين صلات الذي وقد استحسنه
رحمه الله بأنه خال عن الْفصل؛ إذ قال ولا يجوز التفكيك لا بالحال ولا بالاستئناف فإنه حكم
بنفي جواز العمل بالحال فضلًا عن الفصل بالعطف وقد ارتكب في تأويله هذا ما احترز عنه.
وقال الرَّاغب: لا بد من أحد أمرين إما أن ينوي بقوله: (وجعل فيها رواسي)
التقديم حتى يعطف عَلَى خلق وينوي بقوله ( [وَتَجْعَلُونَ لَهُ] أَنْدَادًا) الأخير وهذا مما يجوز
في ضرورات الشعر وإما أن يعطف عَلَى فعل مثل ما وقع في الصلة بدلالة الأول عليه فيضمر
خلق الْأَرْض ثم يعطف عليه وجعل فيها رواسي.