بسم اللَّه الرَّحْمَن الرَّحيم
الحَمْدُ للَّه الَّذي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْده ليَكُونَ للْعَالَمينَ نَذيرًا، ورقاه في مراتب
البلاغة إلَى مقام لو اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أن يأتوا بمثله لم يقدروا وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ
لبَعْضٍ ظَهيرًا. وأشهد أن لَا إلَهَ إلَّا الله وحده لا شريك له الملك الحق المبين، وأشهد أن
سيدنا مُحَمَّدًا عبده ورسوله الذي أرسله رحمة للْعَالَمينَ؛ صلى الله عليه وعلى آله الطيبين
الطاهرين وأصحابه الكرام المنتجبين صلاة دائمة إلَى يوم الدين.
أما بعد، فإن من أجل العلوم وأرفعها العلوم الشرعية الدينية التي بها ينتظم صلاح
العباد في الدُّنْيَا وتمهد لهم طرق الفلاح في الْآخرَة. وعلم التَّفْسير من بين هذه العلوم
أعلاها شأنًا وأقواها برهانًا وأوضحها بيانًا، كَيْفَ لا وموضوعه الْكتَاب الذي لا يأتيه الباطل
من بين يديه ولا من خلفه، ولا نجاة إلا به، ولا استعصام إلا بحبله.
ومن أشهر كتب التَّفْسير وأجمعها أقوالًا مع تلخيصٍ وإيجازٍ وأسهلها تناولا ووضوحَ
عبارة، تفسير الإمام البيضاري المسمى (أنوار التنزيل وأسرار التأويل) . وقد قيل الكثير عن
هذا التَّفْسير العظيم، ونكتفي فيما يلي بإيراد ما قاله حاجي خَليفَة في (كشف الظنون)
(ص 186 - 188) : قال: (أنوار التنزيل وأسرار التأويل في التَّفْسير للقاضي الإمام العلامة
ناصر الدين أبي سعيد عبد الله بن عمر البيضاوي الشَّافعيّ المتوفى بتبريز سنة 685. وقيل
سنة 692. ذكر التاج السبكي في الطبقات الكبرى أن البيضاوي لما صُرف عن قضاء شيراز
رحل إلَى تبرير، وصادف دخوله إليها مجلس درس لبعض الفضلاء، فجلس في أخريات
القوم بحَيْثُ لم يعلم به أحد، فذكر المدرس نكتة زعم أن أحدا من الحاضرين لا يقدر
على جوابها وطلب من القوم حلها والْجَوَاب عنها فإن لم يقدروا فالحل فقط فإن لم يقدروا
فإعادتها، فشرع البيضاوي في الْجَوَاب، فقال: لا أسمع حتى أعلم أنك فهمت. فخيره بين
إعادتها بلفظها أو معناها. فبُهت المدرس فقال: أعدها بلفظها؛ فأعادها ثم حلها وبين أن
في ترتيبه إياها خللا، ثم أجاب عنها وقابلها في الحال بمثلها ودعا المدرس إلَى حلها.
فتعذّر عليه ذلك. وكان الوزير حاضرًا، فأقامه من مجلسه وأدناه إلَى جانبه وسأله: مَن