بقوله: (خلق) الآية. والقهارية المطلقة أي القهارية عَلَى كل شيء تنافي قبول
الزوال لأنه هُوَ المقهورية المحوج إلَى الولد لقيامه مقامه بعد زواله فالقهارية مقرر لنفي
الولد بهذا الأسلوب، وكلمة (ثُمَّ) في ثم استدل للتراخي الرتبي أَيْضًا ودلالة خلق السَّمَاوَات
والْأَرْض عَلَى الوحدة المستلزمة لنفي الولد قد مَرَّ غير مرة، ومن جملتها قَوْلُه تَعَالَى:(إن
في خلق السَّمَاوَات)الآية من سورة البقرة.
قَوْلُه تَعَالَى: (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ يُكَوِّرُ اللَّيْلَ عَلَى النَّهَارِ وَيُكَوِّرُ النَّهَارَ
عَلَى اللَّيْلِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمًّى أَلَا هُوَ الْعَزِيزُ الْغَفَّارُ (5)
قوله: (يغشى كل واحد منهما الآخر) وفي النظم أعيد الْفعْل والليل والنهار مع أن
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
المطلقة التي هي الغالبية عَلَى كل شيء لا الغالبية عَلَى شيء دون شيء ينافي قبول الزوال المحوج
إلى الولد لبقاء النوع لأن قبول الزوال يكون من انفعال ينبئ عن المغلوبية، ومن لا يقبل الزوال لا
يحتاج إلَى الولد لبقاء النوع لأن الاحتياج إلَى بقاء النوع إنما هُوَ لضرورة فناء الشخص وزواله فإذا
لم ينزل الشخص باقيًا لا يحتاج إلَى ولد يقوم مقامه ولذا كان أهل الجنة مستغنين عن التوالد
والتناسل لبقاء أشخاصهم أبد الآبدين. وفي الكَشَّاف:[ثم قال (سُبْحانَهُ) فنزه ذاته عن أن يكون له أحد
ما نسبوا إليه من الأولاد والأولياء. ودلّ على ذلك بما ينافيه، وهو أنه واحد، فلا يجوز أن يكون له
صاحبة؛ لأنه لو كانت له صاحبة لكانت من جنسه ولا جنس له: وإذا لم يتأت أن يكون له صاحبة لم يتأت أن يكون له ولد، وهو معنى قوله(أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ
تَكُنْ لَهُ صاحِبَةٌ). وقهار غلاب لكل شيء، ومن الأشياء آلهتهم، فهو يغلبهم، فكيف
يكونون له أولياء وشركاء؟] . ثم دل بخلق السَّمَاوَات والْأَرْض وتكوير كل واحد من الملوين عَلَى
الآخر وتسخير النيرين وجريهما لأجل مسمى وبث النَّاس عَلَى كثرة عددهم من نفس واحدة وخلق
الأنعام عَلَى أنه واحد لا يشارك قهار لا يغالب.
قوله: استدل عَلَى ذلك. أي عَلَى أنه تَعَالَى واحد قهار بقوله: (خلق السَّمَاوَات والْأَرْض)
الآية.
قوله: يغشى كل واحد منهما الآخر. حَقيقَة التكوير اللف يقال كأن العمامة عَلَى رأسه
وكورها فاسْتُعيرَ إما للتغشية من حيث إنه شبه تغشية كل من الملوين للآخر بلف شيء بالثوب
بجامع الستر فأطلق لفظ المشبه به عَلَى المشبه عَلَى سبيل الاسْتعَارَة المصرحة وإما للتغليب
فإن كلًا منهما يغيب الآخر كما تغيب اللفافة الملفوت. شبه التغييب باللف فاسْتُعيرَ لفظه له
والجامع هنا الستر أَيْضًا، وإما للتكرير شبه كرورهما متتابعان بكرور تتابع أكوار العمامة فجعل
التكوير مَجَازًا مُسْتَعَارًا للاتباع والجامع وقوع كل عقيب الآخر وتمام التحقيق أن الآية تحتمل
ثلاثة أوجه من التشبيه. أحدها أن يكون من تشبيه المحسوس بالمحسوس. وجه الشبه أمور ولكن
في حكم واحد وهو تشبيه الهيئة الحاصلة من اختلاط الليل بالنهار عند طلوع الفجر وظهور
الخيطين بالهيئة الحاصلة من لَيِّ اللباس عَلَى اللابس، وتانيها تشبيه محسوس بمحسوس والوجه
واحد حَقيقَة شبه كل واحد منهما في تغييبه إياه شيء ظَاهر لف عليه ما فيه عن نظر الناظرين.
وثالثها أن يكون تمثيلا بأن يشبه حالة كرور الليل والنهار ومجيء أحدهما في أثر الآخر وما
يتصل بها من المنافع لقوله: (جَعَلَ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ خلْفَةً لِمَنْ أَرَادَ أن يذكر) أو