أي مُوسَى عليه السَّلام لم يرعو أي لم ينته ولم ينكف من ارعوى بمعنى انتهى.
قوله: (شرع في الاعتراض على دعواه فبدأ بالاستفسار عن حقيقة المرسل) شرع في
الاعتراض عَلَى دعواه أي دعوى وجود واجب الوجود ووحدانيته بقرينة قوله:(وما رب
الْعَالَمينَ)وما تقدم الاعتراض عَلَى دعوى النبوة فلا إشكال فبدأ
بالاستفسار الخ. والْمُرَاد به ليس طلب الحق بل للتعنت عن حَقيقَة المرسِل ويصح إسناد
الإرسال إليه تَعَالَى لكن إطلاق المرسِل عليه تَعَالَى ليس بمعلوم في الشرع .
قَوْلُه تَعَالَى: (قالَ رَبُّ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُمَا إِنْ كُنْتُمْ مُوقِنِينَ(24)
قوله: (عرفه بأظهر خواصه وآثاره) تنزيلًا لسؤاله عن الْحَقيقَة منزلة السؤال عن
خواصه تنبيهًا عَلَى أنه الأليق بحاله لما كان السؤال عن الْحَقيقَة بقوله:(وما رب
الْعَالَمينَ)أجاب بأنه تَعَالَى رب هذه الأجرام المحسوسة فإنها تدل عَلَى أن
[لها] خالقًا واجبًا وجوده، فإن هذا استدلال ببعض أفراد الْعَالَمينَ لكونها محسوسة ممكنة فلا
يتوهم شائبة المصادرة بأن فرعون لما لم يعرف أن للعالم ربًا. فالْجَوَاب بأنه تَعَالَى رب
السَّمَاوَات من قبيل إعادة الدعوى، وفي تقرير المص إشَارَة إليه. وبالْجُمْلَة هذا استدلال بأن
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
الْكَلَام وكونهما رسولين بقوله: (ألم نربك فينا وليدًا) إلَى آخره. وثانيًا بقوله:
(وما رب الْعَالَمينَ) ولذلك جيء بالواو والعاطفة وتقرير الأول ألم نعرفك أما
كنت عندنا رضيعًا صغيرًا ونحن ربيناك سنين كالأولاد وعرفناك أَيْضًا كافر النعمة حيث جازيت تلك
النعمة بقتل بعض خدمنا فمن أين أنت والرسالة؟ فأنكر نبوته بتحقير شأنه وكفرانه النعمة وأدمج فيه
معنى الامتنان وأجابه مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بقوله: (فَعَلْتُهَا إِذًا وَأَنَا مِنَ الضَّالِّينَ) .
الآية. مسلما مقتضاه ومثبتا رسالته ومبطلًا إنعامه يعني هب أني كنت كما تقول صبيًا رضيعًا عندكم
قاتلًا للنفس وذلك كَيْفَ يقدح في دعوى رسالتي لأن الله تَعَالَى فاعل مختار يَخْتَصُّ برسالته من
يشاء فاختارني للرسالة ووهب لي حكمًا. يعني أني كنت إذ ذاك غير عالم بالشرائع فوهب لي ربي
معرفة من الأحكام وجعلني مرسلًا، ثم رجع إلَى جواب ما أدمج اللعين في الاعتراض من
الامتنان قائلًا (وَتِلْكَ نِعْمَةٌ تَمُنُّهَا عَلَيَّ أَنْ عَبَّدْتَ بَنِي إِسْرَائِيلَ) فأبطله من أصله تبرئاً من تلك
الرذيلة التي نسبها اللعين إليه من كفران النعمة ثم رجع اللعين إلَى قوم مُوسَى رب العالمين
بعدما ألقمه نبي الله الحجر في إنكار الرسالة مستفهمًا ( [وما رب] الْعَالَمينَ) يعني هب أنك رسول
رب الْعَالَمينَ كما مرادك وما تعني بقولك رب الْعَالَمينَ وما قصدك في تَخْصيصه بالذكر أتعني
به التعريض بإنكار إلهيتي أم غير ذلك يدل عليه قوله بعد هذا:(لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي
لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ)فأجاب عَلَيْهِ السَّلَامُ بما فيه إنكار إلهيته وأن يكون
رب الْعَالَمينَ تعريضًا بقوله: (رب السَّمَاوَات والْأَرْض وما بَيْنَهُمَا) إن كنت
أنت وهَؤُلَاء البهائم الَّذينَ اتخذوك إلهًا وسموك برب العالمين من الَّذينَ يحققون الأشياء
بالنظر الصحيح الذي يؤديهم إلَى الإيقان .