قَوْلُه تَعَالَى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاء فَأَخْرَجْنا بِهِ ثَمَراتٍ مُخْتَلِفًا أَلْوانُها وَمِنَ الْجِبالِ
جُدَدٌ بِيضٌ وَحُمْرٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوانُها وَغَرابِيبُ سُودٌ (27)
قوله: (أَلَمْ تَرَ) أي ألم تعلم إنكار للنفي وتقرير للمنفي والغرض من
هذا الاسْتئْنَاف تقرير ما قبله من اخْتلَاف أحوال النَّاس ببيان أن الاختلاف أمر مطرد في
جميع المخلوقات من النبات والجماد والحيوان لكن اخْتلَاف أحوال النَّاس أمر اختياري
يجازون عليها واخْتلَاف سائر المخلوقات طبيعي لا اختياري، ولك أن تقول: المقصود من
هذا الاسْتئْنَاف الاستدلال عَلَى أخذهم بالعقوبة في الدُّنْيَا والْآخرَة وبيان القدرة عليه ببيان
أن من قدر عَلَى هذه الأشياء المتخالفة مع أن المادة في بعضها واحد قدر عَلَى أخذهم
أخذًا وبيلًا وتعذيبهم عذابًا شديدًا (فأخرجنا به) أي بسَبَب ذلك الماء
المخلوط بالتراب قد مَرَّ تفصيله في أوائل البقرة. والفاء باعْتبَار بدئه فإنه لما نزل الماء
وامتزج بالتراب شرع الخروج عقيبه، وإن كان ظهوره في وجه الْأَرْض بعد مدة مديدة فالبنظر
إليه جيء في بعض المواضع بـ ثم الدَّالَّة عَلَى التراخي والالْتفَات لإظهار كمال الاعتناء بذلك
الإخراج لما فيه من الاخْتلَاف مع اتحاد المادة الدال عَلَى كمال القدرة والْحكْمَة البديعية .
قوله: (أجناسها وأصنافها على أن كلا منها ذو أصناف مختلفة) أجناسها أو أصنافها
فسر الألوان بالأجناس لأنه يقال في العرف ألوان من الأطعمة أي أجناس وكذا استعملها
الفقهاء في هذا الْمَعْنَى ثم فسرها بالأصناف فـ [حِينَئِذٍ] يكون الْمُرَاد نوع واحد مثل التفاح وله
آصناف كثيرة وعلى هذا فقس. قدم الأول لأن فيه المُبَالَغَة في إظهار القدرة القاهرة والنعم
المتوافرة والألوان مجاز فيهما لأن اخْتلَاف الألوان لازم لها .
قوله: (أو هيئاتها من الصفرة والخضرة ونحوهما) أو هيئاتها فيكون الْمُرَاد بالألوان
معناها الحقيقي وهذا الْمَعْنَى ينتظم أجناس الثمرات وأصنافها، والْمُرَاد بالأجناس الأنواع
مثلًا التفاح نوع والكمثري نوع آخر وغير ذلك أخّره مع كونها حَقيقَة ؛ إذ اخْتلَاف الأجناس
والأصناف أدل عَلَى القدرة التامة .
قوله: (وَمِنَ الْجِبالِ) مَعْطُوف عَلَى ما قبله بحسب الْمَعْنَى. أي أَلَمْ تَعْلَمْ أن من الجبال
الخ. إذ الْمَعْنَى أَلَمْ تَعْلَمْ أن بعض الجبال الخ. وإيراد الْجُمْلَة الاسمية لما فيها من الاسْتمْرَار
وكذا ما بعدها، وأما اخْتلَاف الثمرات فأمر حادث يتجدد بتجدد الأزمنة .
قوله: (ذو جدد أي خطط وطرائق يقال جدة الحمار للخطة السوداء على ظهره) ذو
جدد بتقدير الْمُضَاف جمع جُدة بضم الجيم وهي الطريقة كما أشار إليه بقوله أي خطط
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله [وأصنافها] . كأصناف كل من العنب والرمان والتفاح وغيرها فإن كل واحد من هذه
الأجناس مختلف أصنافًا .
قوله: للخُطة السوداء. الخُطة بضم الخاء من الخط كالنقطة من النقط .