مطابقًا للواقع فنبه به عَلَى أنه كاذب في تَكْذيبه فلا إشكال بأن المص اختصر عبارة الكَشَّاف
اختصارًا مغلقًا قال في الكَشَّاف: أي فما يجعلك كاذبًا بسَبَب الدين وإنكاره بعد هذا الدليل
يعني أنك تكذيب إذا كذبت الْجَزَاء لأن كل مكذب بالحق فهو كاذب فأي شيء يضطرك إلَى
أن تكون كاذبًا بسَبَب تَكْذيب الْجَزَاء فإن كلام الْمُصَنّف أفاد ما يفيده الكَشَّاف بقرينة أن
الْكَلَام في تكذيب الْجَزَاء فهو كلام موجز ليس بمخل.
قَوْلُه تَعَالَى: (أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ(8)
قوله:(تحقيق لما سبق. والمعنى أليس الذي فعل ذلك من الخلق والرد بِأَحْكَمِ
الْحاكِمِينَ صنعًا وتدبيرًا ومن كان كذلك كان قادرًا على الإِعادة والجزاء على ما مر مرارًا.
عن النبي صلّى الله عليه وسلم «من قرأ سورة والتين أعطاه الله العافية واليقين ما دام حيًا، فإذا مات أعطاه الله
من الأجر بعدد من قرأ هذه السورة»)تحقيق لما سبق؛ إذ الاسْتفْهَام لإنكار النفي وتقرير
للمنفي أي الله أحكم الحاكمين، وكذا الْكَلَام في قوله أليس الذي فعل الخ. أي الذي فعل
ذلك من الخلق في أحسن تقويم من ماء مهين والرد إلَى أسفل السافلين أحكم الحاكمين
صنعًا وتدبيرًا. دليل الصغرى وهي الله تَعَالَى أحكم الحاكمين صنعًا وتدبيرًا لأنه الذي فعل
ذلك من الخلق والرد وكل مَن هذا شأنه [فهو أحكم الحاكمين] وكبراها
قوله: ومن كان كَذَلكَ كان قادرًا عَلَى الإعادة والْجَزَاء فهو تَعَالَى قادر عَلَى الإعادة فالْقيَاس
مركب. أما الصغرى فمبرهنة كما مر، وأما الكبرى فقد مَرَّ بَيَانُهُ مرارًا لا سيما في سورة البقرة
في قَوْله تَعَالَى: (هُوَ الذي خلق لكم ما في الْأَرْض جَميعًا) الآية. وفي قوله
صنعا وتدبيرًا إشَارَة إلَى أن أحكم الحاكمين من الحكم بالقضاء والقدر فيرجع إلَى صفة
القدرة لا الحكم بالإخبار، والْمُرَاد بالحاكمين إما مفروض أو بحسب الظاهر. وقيل والظَّاهر
أن أحكم الحاكمين من الْحكْمَة لا من الحُكم وهذا لا يلائم قوله صنعًا وتدبيرًا، وأَيْضًا هُوَ
ذهول عن الحكم بالقضاء والقدر، والْمُرَاد بالرد الرد عَلَى الْوُجُوه الْمَذْكُورة لا الأخير فقط
لأن الرد معلوم. أما الأخير فظَاهر مشاهد، وأما الأولان فبإخبار الله تَعَالَى فيكون الاستدلال
بالمعلوم عَلَى المجهول، أو الاستدلال بالخلق فقط في الأولين وبالخلق والرد معًا في
الأخير، وأما جعل الرد من المستدل عليه لا من الدليل فالعبارة تأبى عنه. وفي الْحَديث
الصحيح أنه عَلَيْهِ السَّلَامُ إذا قرأها قال"بلى وأنا عَلَى ذلك من الشاهدين"كَذَلكَ قيل كما
روى الْمُصَنّف مثله في آخر سورة الْقيَامَة. والْحَديث موضوع. الْحَمْدُ للَّه عَلَى تيسير إتمام ما
يتعلق بسورة والتين، والصلاة وَالسَّلَامُ عَلَى فخر الْمُرْسَلينَ وعلى آله وأصحابه أهل اليقين.
تمت بعونه تَعَالَى يوم الأحد من شهر ربيع الآخر سنة 1193.