قوله: (بالْجَزَاء بعد ظهور هذه الدلائل) أي كلمة بعد مبني عَلَى الضم لكون
الْمُضَاف إليه مَحْذُوفًا، والْمُرَاد بالدلائل الخلق في أحسن تقويم فإنه دلائل كثيرة ثم الرد
إلى صورة أقبح من كل صورة فإنها تدل عَلَى القدرة التامة والعلم الكامل، فتدل عَلَى
الإعادة كما مَرَّ بَيَانُهُ غير مرة. وكلمة الفاء تفيد سببية ما قبلها لما بعدها مع إفادة
البعدية فهي للتراخي في الرتبة وكلمة بعد للتراخي في الزمان فلا تكرار، أو التكرار
للتأكيد الذي من شعب البلاغة.
قوله: (وقيل ما بمعنى من) فحِينَئِذٍ يكون استفهامًا عمن يعقل، مرضه لأن (ما) عام لمن
يعقل أَيْضًا إما بالْحَقيقَة أو الْمَجَاز، كَمَا صَرَّحَ به المص في سورة النحل والفرقان. والتعميم
أنسب بالمقام مع أنه ينتفي المُبَالَغَة الْمَذْكُورة من أن الجماد لا يقدر أن ينسبك إلَى الكذب
الخ. وكون (ما) بمعنى مَن خلاف الظَّاهر لا يصار إليه بلا موجب ولا موجب هنا.
قوله: (وقيل الخطاب للإِنسان عَلَى الالْتفَات) وهو مختار الكَشَّاف لأنه مذكور سابقًا
والالْتفَات من المحسنات إذا كان فيه لطيفة مختصة بموقعه بعد النُّكْتَة العامة، وهنا غير ظَاهر
سوى أنه لمزيد العتاب في الخطاب، وأَيْضًا الْإنْسَان الْمَذْكُور عام للمكذب وغيره فيكون الحكم
على الجنس به بحال بعض أفراده تَغْليبًا، وهو ضعيف وإن جوزه المص في قَوْله تَعَالَى:(وَيَقُولُ
الْإِنْسَانُ أَإِذَا مَا مِتُّ لَسَوْفَ أُخْرَجُ حَيًّا)لكنه لم يرض به هنا.
قوله: (والْمَعْنَى فما الذي يحملك عَلَى هذا الكذب) والْمُرَاد بالكذب هنا التَّكْذيب
فإنه كذب لأنه غير مطابق للواقع، ولذا عبر عن التَّكْذيب بالكذب فإن التَّكْذيب قد يكون
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: وقيل الخطاب للْإنْسَان عَلَى الالْتفَات. أي عَلَى الالْتفَات من الغيبة إلَى الخطاب
حيث ذكر الْإنْسَان في (لقد خلقنا الْإنْسَان) بلفظ المظهر والمشعر بالأسماء
الظَّاهرَة غائب، ثم عبر عنه بعد التَّعْبير بلفظ الْإنْسَان بضمير الغائب في قَوْله تَعَالَى:(ثم
رددناه)ثم عبر عنه بكاف الخطاب في (فما يكذبك) فالْمَعْنَى عَلَى
الالْتفَات فما الذي يحملك يَا أَيُّهَا الْإنْسَان ويغريك عَلَى هذا الكذب الذي هُوَ تَكْذيب الدين
أي الْجَزَاء بعد البعث بعد القواطع الدَّالَّة عَلَى تحققه فقوله: (أليس الله بأحكم الحاكمين)
يقرره ويحققه كأنه قيل: أليس الله بقادر عَلَى أن يبعث الموتى ويجازيهم عَلَى
أعمالهم فإن القادر عَلَى الخلق والرد إلَى أسفل السافلين صنعًا وتدبيرًا قادر عَلَى المجازاة
والإعادة لأنه أحكم الحاكمين. قال الطيبي: وفي الْكَلَام تعجب وتعجيب وذلك أنه تَعَالَى لما قرر
أنه خلق الْإنْسَان في أحسن تقويم ثم رده إلَى أرذل العمر دل عَلَى كمال قدرته عَلَى الإنشاء
والإعادة قال بعد ذلك عن سبب تَكْذيبه أي ما سبب تكذيبك أيها الإنسان بالْجَزَاء بعد هذا
الدليل القاطع وعلى هذا قوله: (أليس الله بأحكم الحاكمين) وعيد للكافرين وأنه
يحكم عليهم بما هم أهله. تمت السُّورَة. الْحَمْدُ للَّه عَلَى الافتتاح والاختتام، وعلى الرَّسُول أفضل
الصلاة وَالسَّلَامُ. اللهم بك أعتصم ومن نورك أستفيض فأفتتح أشرع.