كل واحدة لا من واحدة غير معينة. والوجه الثاني أن الْمُرَاد بإحدى الأمم الأمة التي يقال
فيها إحدى الأمم للاستعظام كما عرفته مفصلًا ففيه مُبَالَغَة حَيْثُ ادعوا أنهم يكونون أهدى
من الأمة التي تكون مفضلة عَلَى غيرها ؛ إذ الهداية والاستقامة من قبيل الكلي المشكك فجاز
أن يكون أهدى من الأهدى وكون من إحدى للأمم بيانًا لا هدى خلاف الظَّاهر مع فوت
المُبَالَغَة عَلَى ما زعموا (يعني مُحَمَّدًا عَلَيْهِ السَّلَامُ) .
قوله: (أي النذير أو مجيئه على التسبب) أي عَلَى الوَجْهَيْن لأن الزّيَادَة في
الْحَقيقَة منه تَعَالَى عَلَى قاعدة أهل الحق، وهذا أبلغ من الْقَوْل فَلَمَّا جَاءَهُمْ نذير كَفَرُوا به
أو أعرضوا عنه لأنهم لما بالغوا بالقسم في الاتباع بالغ تَعَالَى في بيان كفرهم وعتوهم
(تباعدًا عن الحق) .
قَوْلُه تَعَالَى: (اسْتِكْبارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ وَلا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ فَهَلْ
يَنْظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا وَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا (43)
قوله: (بدل من نفورًا أو مَفْعُول له) بدل من نفورًا بدل الكل أو مَفْعُول له كون البدل
يقتضي اتحادهما، وكونه مَفْعُولًا له يقتضي تغايرهما فبين الوَجْهَيْن نوع تنافر .
قوله:( [أصله] وأن مكروا المكر السيئ فحذف الموصوف استغناء بوصفه، ثم بدل أن
مع الفعل بالمصدر، ثم أضيف) وأصله وأن مكروا المكر يعني أن أصله ليس من إضافة
الْمَوْصُوف إلَى الصّفَة بل أصله المكر السيئ عَلَى أن السيئ صفة لـ مكر آخر مقدر فحذف
الْمَوْصُوف اختصارًا، ولذا قال استغناء عنه بوصفه ثم بدل أن مع الْفعْل بالمصدر لكونه في
تأويل المصدر أدخل الباء عَلَى المأخوذ والْمَشْهُور إدخالها بالمتروك قال تَعَالَى:(وَبَدَّلْنَاهُمْ
بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ)قوله ثم أضيف ذلك المصدر إلَى السيئ فلا يكون من إضافة
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: أو مَفْعُول له، فالْمَعْنَى ما زادهم إلا أن نفروا استكبارًا وعلوا في الْأَرْض .
قوله: وأن مكروا المكر السيئ. بفتح أن عطف عَلَى نفورًا أو استكبارًا فحذف الْمَوْصُوف
وهو المكر استغناء عنه بوصفه وهو السيئ ثم بدل أن مع الْفعْل بالمصدر أي ثم غير أن مكروا
بالمكر بأن حذف أن مع الْفعْل وأقيم موضعه المصدر ثم أضيف إلَى الصّفَة. قال مكي هُوَ من إضافة
الْمَوْصُوف إلَى الصّفَة وتقديره ومكروا المكر السيئ ودليله قوله بعد ذلك(وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ
السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ)فمكر السيئ انتصب عَلَى المصدر ثم أضيف إلَى نعته اتساعًا مثل
صلاة الأولى ومسجد الجامع. وهي التيسير نحوه إضافة الحق إلَى اليقين ووصفه بالسيئ لأنه كان
للصد عن الحق وقد يكون المكر حسنًا إذا كان احتمالًا للدعاء ومنه قَوْلُه تَعَالَى(وَمَكَرُوا مَكْرًا
وَمَكَرْنَا مَكْرًا)، (وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) .