قوله: (استرجاح لقول من يكون أشد ثقالًا منهم) استرجاع أي طلب رجحان. وحاصله
بيان رجحان وانتقال تفاعل من القلة والمفهوم منه أن قولهم: (ما لبثوا غير ساعة)
أمثلهم طريقة أيضا، والْمُرَاد أن هذا أبلغ في بيان قلة مدة لبثهم كناية .
قَوْلُه تَعَالَى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبالِ فَقُلْ يَنْسِفُها رَبِّي نَسْفًا(105)
قوله: (عن مآل أمرها وقد سأل عنها رجل من ثقيف) عن مآل أمرها في وقت قرب
الْقيَامَة وقد سأل الخ. أَشَارَ إلَى أن الْمُضَارِع في يَسْأَلُونَكَ لحكاية الحال الْمَاضية. قوله رجل
نبه به عَلَى أن الجمع مع أن السائل واحد لكون الباقين راضين به فالإسناد من قبيل قتل بنو
فلان. مع أن القاتل واحد منهم. قال النسفي وغيره: الفاء في جواب شرط مقدر. أي إذا سألوك
فقل. وهذا بناء عَلَى أن السؤال لم يقع بخلاف ما نزل بعد وقوع السؤال عنه مثل الروح
وقصة ذي القرنين وغيرها فلذا استؤنف الْجَوَاب ثمة بدون فاء وقرن هنا لبيان هناك
استشراف النفس للجواب، وهذا بعيد والمص أَشَارَ إلَى رده بقوله: وقد سأل عنه رجل الخ.
ونبَّه به عَلَى أن السؤال وقع قبل نزول الآية كأخواته وكذا استبعد أبو حيان فالفاء عنده
متمحضة للسببية للدلالة عَلَى أن (قل) مسبب عن سؤالهم ولوحظ فيه السببية [والمسببية]
بخلاف قصة الروح وغيرها فإنه لم يلاحظ فيها السببية مع تحققها كما هنا ؛ إذ النُّكْتَة مبنية
على الإرادة نظيره الْمُضَارِع الذي يقع بعد الأمر الذي هُوَ سبب له فإنه يكون مجزومًا عَلَى
أنه جواب الأمر وقد يكون مرفوعًا عَلَى أنه حال أو اسْتئْنَاف باعْتبَار السببية في الأول وعدم
ملاحظتها في الثاني .
قوله: (يجعلها كالرمل ثم يرسل عليها الرياح فتفرقها) . قال الرَّاغب: نسفت الريح الشيء
إذا قلعته وأزالته، فالْمَعْنَى يقلعها الله تَعَالَى ويزيلها عن مقارها، ولذا قيل فيذر مقارها. قوله بجعلها
كالرمل مُسْتَفَاد من قَوْلُه تَعَالَى: (وَكَانَتِ الْجِبَالُ كَثِيبًا مَهِيلًا) قوله ثم يرسل
عليها الرياح الخ. داخل في مفهوم النسف لأن فيه يعتبر إزالته عن المحل .
قَوْلُه تَعَالَى: (فَيَذَرُها قاعًا صَفْصَفًا(106)
قوله: (فيذر مقارها) الفاء لأن النسف الْمَذْكُور سبب للترك الْمَذْكُور والمرجع المفرد
والتأنيث باعْتبَار الْمُضَاف إليه والتَّخْصِيص بالمقار وإن كان الحكم عامًا لجميع الْأَرْض لأن
السؤال عن حالها قرينة عَلَى التَّخْصِيص وذكر الشيء لا يفيد نفي ما عداه .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: استرجاع لقول من يكون أشد تقالًا. أي ترجيح لقول من يكون أشد استقلالًا لمدة
اللبث فمعنى تقال زيد عطاء عمرو عنده قليلًا واستقله فهو تفاعل من القلة وفي الْحَديث"تقالُّوها"أي
استقلوا عبادة النَّبيّ - صلى الله عليه وسلم - .