الأمر مستلزم للإذن. قوله أو بإرادته مجاز أيضًا ذكر المسبب وأريد السبب. واللطف عطف
تفسير لها فلذا عطف بالواو ؛ إذ إرادة الهداية وإيمانهم من أعظم لطفه تَعَالَى بعباده .
قوله: (والله يَهْدي من يشاء) الآية. وفيه مبالغات: الإظهار في
مَوْضع الإضمار تفخيمًا لشأن الهداية، وتقديم المسند إليه عَلَى الخبر الفعلي المفيد للقصر
أو لتقوية الحكم، واختيار المستقبل المفيد للاسْتمْرَار التجددي، وتنبيه عَلَى أن الهداية تفضل
حيث قيدت [بالمشيئة] (إلى صراط مستقيم) وهو الحق القويم [يشهد] العقل
السليم عَلَى استقامته بالفكر الكريم، وبيان اسْتعَارَة الصراط قد مَرَّ في سورة الْفَاتحَة .
قوله: (لا يضل سالكه) إما سلب كلي كما هُوَ الظَّاهر، أو رفع إيجاب كلي ثم إنه
إشَارَة إلَى وجه استقامته وتنبيه عَلَى وجه الشبه .
قَوْلُه تَعَالَى: (أَمْ حَسبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتكُمْ مَثَلُ الَّذينَ خَلَوْا منْ قَبْلكُمْ مَسَّتْهُمُ
الْبَأْساءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزلُوا حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتى نَصْرُ اللَّه أَلا إنَّ نَصْرَ اللَّه قَريبٌ (214)
قوله:(خاطب به النبي صلى الله تَعَالَى عليه وسلم والْمُؤْمنينَ بعد ما ذكر اخْتلَاف
الأمم عَلَى الْأَنْبيَاء)إشَارَة إلَى ارتباطه بما قبله وقرينة هذا الخطاب قوله:(حَتَّى يَقُولَ
الرَّسُولُ وَالَّذينَ آمَنُوا مَعَهُ)الآية.
قوله: (بعد مجيء الآيات) إشَارَة إلَى أن من في من بعد مقحمة، كَمَا صَرَّحَ به في
سورة الأنعام وإن ما في ما جاءتهم الْبَيّنَات مصدرية وإن اخْتلَاف الأمم وإن كان شنيعًا لكنه
بعد مجيء الآيات أشنع .
قوله: (تشجيعًا لهم عَلَى الثبات مع مخالفيهم) وجه ذلك أن مخالفة الأمم عَلَى
الأنبياء تشعر بأن الْأَنْبيَاء ومن تبعهم أصابهم من مخالفيهم ما أصابهم من الشدائد والإيذاء
وأنواع البأساء والضراء فصبروا وتحملوا المشاق، فبملاحظة ذلك يكون ذلك الخطاب
تشجيعًا لهم وحثًا عَلَى الثبات عَلَى الصبر مع مخالفيهم وإيذائهم كما صبر من قبلهم حتى
يأتي أمر الله وإهلاك المجرمين وإنجاء المتقين إن العاقبة لِلْمُتَّقِينَ في كل زمن وحين
فالحمد لله رب الْعَالَمينَ .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: لا يضل سالكه. بيان معنى استقامة الصراط أي صراط لا يضل سالكه لاستقامته
واستوائه. قوله ومعنى الهمزة فيها للإنكار أي معنى الهمزة التي تضمنته أم المنقطعة هنا للإنكار. أي
لإنكار الحسبان بمعنى لا يَنْبَغي أن يحسبوه وهذا الإنكار يدل عَلَى وجود الحسبان في المخاطبين
لأن الإنكار والاستبعاد يقتضي سابقة وجود الشيء المنكر المستبعد وكان كَذَلكَ لما روي عن
البخاري وأبي دَاوُود والنَّسَائي عن [خباب] بن الأرت قال: شكونا إلَى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لقد لقينا من
الْمُشْركينَ شدة فقلنا ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو لنا؟ فقال:"قد كان من قبلكم يؤخذ الرجل فيحفر له في"
الْأَرْض ثم يؤتى بالمنشار يوضع عَلَى رأسه فيجعل نصفين ويمشط بأمشاط الحديد ما دون لحمه
وعظمه، ولا يصده ذلك عن دينه"."