الْمُنَاسب لقولهم تفرقوا أيدي سبأ ولذا اعتذر البعض بقوله: وإنَّمَا قدم فيه مع اقتضاء الْمَعْنَى
لأنه معرفة بالْإضَافَة وقد وقع حالًا فجعل الحال في الْحَقيقَة مثل المقدر لأنه لا يتعرف بالْإضَافَة
والْمَعْنَى متفرقين تفرق أيدي سبأ، والأيدي الأنفس كناية أو مَجَازًا كما نقل عن المفصل أو
مقحمة كما في قَوْله تَعَالَى: (وَلَا تُلْقُوا بأَيْديكُمْ إلَى التَّهْلُكَة) عَلَى وجه وهذا
من كونها بمعنى الأولاد لأن الأولاد أعضاد الرجل لتقويتهم ومن كونها بمعنى البلاد أو الطرق
أي تفرقوا في طرق شتى؛ إذ معنى الأول مُتَعَارَف في اليد ومستلزم للباقي.
قوله:(ففرقناهم غاية التفريق حتى لحق غسان منهم بالشأم، وأنمار بيثرب، وجذام
بتهامة)ففرقناهم أشار بالفاء إلَى أن الْجُمْلَة جارية مجرى التَّفْسير للجملة التي قبلها وأن
الواو بمعنى الفاء. وفي بعض النسخ فرقناهم بدون فاء تفسيرًا لـ مزقناهم وهو الأَولى. قوله
غاية التفريق إشَارَة إلَى أن ممزق مصدر ميمي مَفْعُول مطلق للتأكيد ولفظة كل يفيد
المُبَالَغَة فإنه ليس في مثل هذا لإحاطة الأفراد بل للمُبَالَغَة ولذا قال غاية التفريق.
والظَّاهر أن الكل مُسْتَعَار لتلك الغاية والشدة وقد جوز في قَوْله تَعَالَى:(إذا مزقتم كل
ممزق)كون ممزق اسم مكان ويجوز ذلك هنا أَيْضًا ويلائمه قوله حتى لحق
غسان بالشام الخ. فيكون كل في بابه بتقدير كل ممزق يمكن أن يكون ممزقًا لهم فيكون
حِينَئِذٍ كل ممزق مَفْعُولًا به.
قوله: (والأزد بعمان) بضم العين وتخفيف الميم. نقل عن الْجَوْهَريّ أنه قال عمان
مخففًا بلد، وأما الذي بالشام بالفتح والتشديد وهو غير مراد هنا فحِينَئِذٍ ومن هلك بسيل
العرم هُوَ الباقي في ذلك المسكن فتأمل فيما ذكر.
قوله: (عن المعاصي.(شَكُورٍ) على النعم) عن المعاصي وقد مَرَّ أن الصبر إذا عدي بـ عن
يكون بمعنى المجتنب والممتنع ويدخل فيه الصبر عَلَى المصائب والطاعة والاكتفاء به
لكونه أهم، وصيغة المُبَالَغَة فيهما لأن كمال الانتفاع لهما والتَّخْصِيص بهما لأن الصبر نصف
إيمان والشكر نصف فمن جمعها فقد أحرز كمال الإيمان وتمام العرفان. وتقديم الصبر لأنه
أتعب عَلَى النفس فيكون أفضل مع مراعاة الفاصلة والتنكير للفخامة والتَّفْخيم.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ(20)
قوله: (أي صدق في ظنه أو صدق بظن ظنه مثل فعلته جهدك) أي صدق في ظنه
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: أي صدق في ظنه. فحذف الجار وأوصل الْفعْل مثل (وَاخْتَارَ مُوسَى قَوْمَهُ)
أي من قومه.
قوله: أو صدق يظن ظنه فيكون انتصاب ظنه عَلَى أنه مَفْعُول مطلق لفعل مَحْذُوف مقدر
وذلك الْفعْل في موقع الحال من فاعل صدق فحذف الفعل وأقيم المصدر مقامه.