أَشَارَ إلَى أن الْمُرَاد بالْجَزَاء جزاء مَخْصُوص بجنس ما مَرَّ وهو العقاب الخاص وهو العذاب
المهين وأما عذاب عصاة الموحدين فطهرة لذنبه عَلَى أن الْمُرَاد العذاب المستأصل وهو
غير واقع للعصاة من الْمُسْلمينَ فلا إشكال في الحصر .
قوله: (وقرأ حمزة والكسائي ويعقوب وحفص نُجازِي بالنون والْكَفُورَ بالنصب)
والمجازاة المكافأة ولم يرد في الْقُرْآن إلا مع العقاب بخلاف الْجَزَاء فإنه عام. قيل وقد
يخص بالخير وليس كَذَلكَ لقَوْله تَعَالَى: (ليجزي الَّذينَ أساءوا) الآية.
ونظائره كثيرة جدًا وصيغة المفاعلة للمُبَالَغَة لا للمغالبة ؛ إذ الْجَزَاء من جنس العمل، ولما كان
كفرهم عَلَى وجه المُبَالَغَة كما يدل عليه صيغة الكفور المفيدة للمُبَالَغَة كان جزاؤهم عَلَى
وجه المُبَالَغَة وهل بمعنى النفي. أي وما [نجازي] بسوء الْجَزَاء عَلَى وجه المُبَالَغَة شخصًا من
الأشخاص إلا الكفور .
قَوْلُه تَعَالَى: (وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها قُرىً ظاهِرَةً وَقَدَّرْنا فِيهَا السَّيْرَ
سِيرُوا فِيها لَيالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ (18)
قوله:(وَجَعَلْنا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بارَكْنا فِيها بالتوسعة على أهلها وهي قرى
الشام)وجعلنا بينهم وبين القرى وكونه من قبيل عطف القصة عَلَى القصة أولى من عطفه
على (لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ) وتغيير الأسلوب حيث قيل هنا وجعلنا وما قبله(لَقَدْ
كَانَ لِسَبَإٍ)للإشعار بأن الْمَذْكُور هنا أعظم نعمة وأجل رحمة لأن فعل العظيم
عظيم، وصرح الجعل بنون العظمة تنبيهًا عَلَى ذلك لأن الأمن في مسائرهم ومتاجرهم مع
اشتمال تلك القرى أنواع الآلاء وفنون النعماء كما يدل عليه التوصيف بالبركات أجل
إحسانًا [وأسبغ] نعمًا. ولعل التأخير لأجل الترقي. والْمَعْنَى وجعلنا بين مساكنهم وبين القرى
الثامية التي بورك فيها للْعَالَمينَ .
قوله: (قُرًى ظاهِرَةً) متواصلة يظهر بعضها لبعض، أو راكبة متن الطريق
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
يفعله من السوء بعد قوله وهو العقاب العاجل فـ [حِينَئِذٍ] يكون التعريف في قوله العقاب العاجل للعهد
والمعهود ما ذكر من السيل والتبديل هذا معنى قول الزجاج. قال هذا مما يسأل عنه ويقال إنَّ اللَّهَ
يجازي الكفور وغير الكفور وجوابه أو الْمُؤْمن يكفر عنه السيئات لقَوْله تَعَالَى:(إِنَّ الْحَسَنَاتِ
يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ)والكافر يحبط عمله ليجازى بكل سوء يعمله لقَوْله تَعَالَى: (ذَلِكَ
بِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا مَا أَسْخَطَ اللَّهَ وَكَرِهُوا رِضْوَانَهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ (28) . قال الطيبي: ويمكن أن
يكون أصل الْكَلَام (وهل نجازي) إلا العامل فعدل إلَى قَوْله [الكفور] ليشاكل قوله(بما
كَفَرُوا). أقول: في استقامة هذا الْمَعْنَى نظر لأنه مبني عَلَى إرادة العموم في الجزاء والمجزي لأن
الْمَعْنَى عَلَى ما ذكره أن المجازاة بالثواب والعقاب مَخْصُوص بالْمُؤْمن والكافر لا يتجاوزهما إلَى
غيرهما وهذا ليس بمقصود بل المقصود من الآية التهديد عَلَى كفران النعمة وهذا المقصود لا
يتأدى بلفظ العامل .
قوله: يظهر بعضها لبعض أو راكبة متن الطريق ظاهرة [لأبناء] السبيل. فسر معنى الظهور