مذهب أبي هاشم أن الباري يمتاز بحالة خامسة هي الْإلَهيَّة وهي علة للأحوال الأربعة
الوجوب والحياة والعلم التام والقدرة التامة فإنه إن أراد بالعلة اللمية ففساده ظَاهر فَكَيْفَ
يبنى الْكَلَام عليه وإن أراد بالعلة الآنية فيوافق مذهب غيره فلا ضير فيه .
قوله: (المعدوم في حد ذاته لأنه لا يوجد ولا يتصف إلا بجعله تَعَالَى) كما أن
ذاته معدوم في حد ذاته مع قطع النظر عن علته لا يوجد مبني للمَفْعُول بذاته لأن ذاته لكونه
ممكنًا لا يقتضي وجوده ولا عدمه فوجوده وعدمه من العلة، وهذا سبب لاخْتصَاص
الباري بها كما أن الأول سبب لعلمه التام وقدرته التامة الشاملة ولاستقلاله في سببية
الاخْتصَاص أعيد لفظة أن .
قوله: (أو الباطل إلهيته، وقرأ البصريان والكوفيون غير أبي بكر بالياء) أو الباطل إلهيته
لعجزه ونقصانه هذا ناظر إلَى التَّفْسير الثاني للحق كما أن الأول ناظر إلَى الْمَعْنَى الأول له
وبطلان إلهيتة أي استحقاق الْعبَادَة سبب لاخْتصَاص الباري بها .
قوله: (مترفع على كل شيء مما سواه ومتسلط عليه) وفي نسخة عن كل شيء
لتضمنه معنى التنزه هذا معنى العلي. قوله متسلط عليه معنى الكبير. أو الكبير عن أن يكون له
شريك باعْتبَار تضمنه معنى التنزه، كذا ذكره في سورة الحج ولم ينبه هنا عَلَى الحصر اكتفاء
بما ذكره هناك من قوله لا شيء أعلى منه شأنًا وأكبر سلطانًا، وسببية هذه الْجُمْلَة للأوصاف
الْمَذْكُورة ظاهرة لكن بحسب الآنية، ولك أن تقول: إن هذه الْجُمْلَة تذييلية مؤكدة لمفهوم
الْجُمْلَة المتقدمة وبهذا علم كونها مناسبة لأول الْكَلَام وحسن الختام .
قَوْلُه تَعَالَى: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ الْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِنِعْمَتِ اللَّهِ لِيُرِيَكُمْ مِنْ آياتِهِ إِنَّ فِي ذلِكَ
لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ (31)
قوله: (بإحسانه في تهيئة أسبابه) أي أسباب الجري فالضَّمير المجرور للجري الدال
عليه تجري وأسبابه الريح الطيبة والجمع باعْتبَار المواضع والمواد قال تَعَالَى:(وجرين
بهم بريح طيبة)إذ الْمُرَاد الجريان بما ينفع النَّاس لا مطلق الجريان يدل عليه
قوله: (بنعمة الله) وقد صرح به في سورة البقرة .
قوله: (وهو استشهاد آخر عَلَى باهر قدرته وكمال حكمته وشمول إنعامه) وهو
استشهاد آخر أراد به بيان وجه الربط بما قبله أي استشهاد بعد الاستشهاد بقوله:(يولج
الليل)الآية. وتفصيل الإيلاج الْمَذْكُور قد مَرَّ في سورة آل عمران، وطريق