الْمَذْكُورة عَلَى أنه لا طلب هنا، وإنما الْكَلَام في قبوله بلا طلب فمراد صاحب الكَشَّاف أن
طلب الأجر غير منكر فما ظنك في جواز القبول بلا طلب (يريد فرعون وقومه) .
قَوْلُه تَعَالَى: (قالَتْ إِحْداهُما يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ(26)
قوله: (يعني الّتي استدعته. [يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ] . لرعي الغنم) يعني التي استدعته فالْإضَافَة للعهد والقرينة قوله
(إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ) الخ. لبيان الْإخْبَار بقوته وأمانته إنما هُوَ للمستدعية أي قالت هذه
الداعية لمُوسَى إلَى أبيها لأبيها يا أبت. نادت بصيغَة البعد مع قربها منه لعد نفسها بعيد
الكمال الحياء؛ إذ فيه نوع تعريض بتزويجها إياه.
قوله: (تعليل شائع يجري مجرى الدليل على أنه حقيق بالاستئجار) تعليل شائع إذ
الظَّاهر أن قولها: (إن خير من استأجرت) الآية. جواب عن سببب طلب
الاستئجار فيكون بيان سببه وعلته الباعثة عَلَى طلب الاستئجار. قوله شائع أي عام لمثل
المقام لا يترك هذا التعليل في مثله؛ إذ لا يفيد الطلب ولا يقع موقع القبول بدون بيان سببه
الموجب أو المصحح كما دل الاستقراء عليه لكنه هنا يجري الدليل لكون تعريف القوي
الأمين للجنس كأنها قالت: يا أبت استأجره فإنه حقيق بالاستئجار؛ لأنه قوي أمين، وكل من
هذا شأنه فهو لائق بالاستئجار فهو حقيق به، فهو أبلغ من الْقَوْل استأجره فإنه هُوَ القوي
الأمين فإنه حِينَئِذٍ يكون تعليلًا محضًا غير جار مجرى الدليل.
قوله: (وللمُبَالَغَة فيه، جعل خَيْرَ اسمًا) وللمُبَالَغَة فيه أي في التعليل الذي في قوة
الدليل جعل خَيْرَ اسمًا أي لأن. مع أن الظَّاهر أن يكون خبرًا؛ إذ المقصود بالإفادة كونه خبرًا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: تعليل شائع. أي قولها هذا كلام شائع جار مجرى المثل من حَيْثُ إن سياقه سياق
الأمثال عَلَى ما في الكَشَّاف من أن قولها (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) كلام حكيم جامع
لا يزاد عليه لأنه إذا اجتمعت هاتان الخصلتان أعني الكفاية والأمانة في القائم بأمرك فقد فرغ بالك
وتم مرادك وقد استعنت بإرسال هذا الْكَلَام الذي سياقه سياق المثل والْحكْمَة أن تقول استأجره
لقوته وأمانته. ومعنى التعليل مُسْتَفَاد من وقوعه في غرض الاسْتئْنَاف كأنه قيل: ما علة الأمر
باستئجاره؟ فقالت (إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ) .
قوله: وللمُبَالَغَة فيه جعل (خَيرَ) اسمًا أي وللمُبَالَغَة في التعليل جعل (خَيرَ) اسم إن يعني أن
الأصل أن يجعل القوي اسم إن و (خَيرَ) خبرها ليشعر أن كونه خير من استؤجر لكونه قويًا أمينًا
من حيث إن ترتب الحكم عَلَى الوصف يشعر بعلية الوصف، لكن خولف الأصل وعكس فجعل
ما هُوَ خبر اسمًا وما هُوَ اسم خبرًا ليفيد الْكَلَام المبالغة بجعل (خَيرَ) علة لعلته لإشعاره بأن كونه
قويًا أمينًا معلل بكونه خير المستأجرين مع أن الأمر في نفس الأمر عَلَى العكس، أو يكون وجه
المُبَالَغَة ذكره من أول الأمر بكونه خير المستأجرين فيكون التقديم للعناية بوصفه أولا بالخير
لكون تقديمه أدخل في تعليل الأمر بالاستئجار. قوله وذكر الْفعْل بلفظ الْمَاضي للدلالة عَلَى أنه
أمين مجرب معروف لإيهامه أنه عَلَيْهِ السَّلَامُ من جملة من استأجره أبوها فيما معنى وجربه
وعرف قوته وأمانته بالتجربة.