كونه تَعَالَى عالمًا بالأشياء كلها كلياتها وجزئياتها موجوداتها ومعدوماتها، كما أن تناهي العلم
علة لوجود الأشياء عَلَى هذا النمط الغريب كما مر. الهاء في قوله وهو تسكين هاء هُوَ بعد
حرف العطف لغة فصيحة لأنه معها يشبه كلمة واحدة مضمومة العين، وقد صرح الأئمة بأن
الكلمة التي مضمومة العين يجوز تسكينها للتخفيف كعضد ورسل. قوله فهو بالفاء إشَارَة إلَى
أن هذا الجواز غير مختص بالواو.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَإذْ قالَ رَبُّكَ للْمَلائكَة إنّي جاعلٌ في الْأَرْض خَليفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فيها مَنْ
يُفْسدُ فيها وَيَسْفكُ الدّماءَ وَنَحْنُ نُسَبّحُ بحَمْدكَ وَنُقَدّسُ لَكَ قالَ إنّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ (30)
(وَإذْ قالَ رَبُّكَ للْمَلائكَة إنّي جاعلٌ في الْأَرْض خَليفَةً) .
قوله: (تعداد لنعمة ثالثة) تفنن في البيان حيث قال في قَوْله تَعَالَى:(هُوَ الذي خلق
لكم)بيان نعمة أخرى وهنا تعداد الخ. النعمة الأولى نعمة الإيجاد [وإلباس]
الحياة المشير إليها بقَوْلُه تَعَالَى: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ باللَّه) الآية. والثانية:(خَلَقَ [لَكُمْ]
مَا في الْأَرْض) من النعم الدنيوية والْأُخْرَويَّة. والثالثة خلق أبينا وكل نعمة من النعم الثلاثة
مشتملة عَلَى. نعم لا تحصى، وكون هذه النعمة ثالثة بالنسبة إلَى الذكر وإلا فبالنسبة إلَى
الوجود مقدمة عَلَى سائر النعم، ولعل الترتيب الذكري أنه مع أن السوق يقتضي هذا الترتيب
الذكري إن الْإنْسَان غيور فإن نظر إلَى ما أنعم الله به عليه حمله حب النعمة عَلَى الشكر
والفكر في آلاء الله تَعَالَى ورضي به، ولا ريب أن نعمة الإيجاد والإحياء إنعام عليهم والنعمة
الثانية مترتبة عَلَى الأولى والثالثة نعمة عَلَى أبينا بالذات وعلينا بالواسطة.
قوله: (تعم النَّاس كلهم) ليس بمختص بآدم عَلَيْهِ السَّلَامُ كما يوهمه قَوْلُه تَعَالَى:
(وَإذْ قَالَ رَبُّكَ) إلَى (خَليفَة) الآية. إذ الْمُرَاد بالخَليفَة آدم عَلَيْهِ السَّلَامُ كما
سيصرح به. وأشار إليه هنا بقوله:(فإن خلق آدم وإكرامه وتفضيله عَلَى ملائكته بأن أمرهم
بالسجود)المُسْتَفَاد من قوله (جاعل) سواء كان من جعل بمعنى خلق أو بمعنى صير. قوله
(إنعام يعم ذريته) عبر بالإنعام هنا وقد قال أولًا نعمة؛ إذ الخلق وغيره وصف له تَعَالَى فهو
إنعام، وأثره المترتب عليه نعمة يعم ذريته. أما الخلق فظاهر، وأما إكرامه وتفضيله فبالنسبة إلَى
الخواص أو بالنظر إلَى أن إكرام الأب إكرام للولد، وإن لم يكن الولد مكرمًا بذلك الإكرام
وسيصرح في تفسير قَوْلُه تَعَالَى: (وَإذْ قُلْنَا للْمَلَائكَة اسْجُدُوا لآدَمَ) الآية. إن
أمرهم بالسجود نعمة رابعة عدها عليهم، فَكَيْفَ يعد هنا من جملة النعمة الثالثة، فالأولى أن
يقال هنا فإن خلق آدم وجعله خَليفَة وإكرامه بذلك إنعام الخ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: تعداد لنعمة ثالثة .. نعم النَّاس كلهم ويشعر قوله. نعم النَّاس كلهم بأن خصوص النعمتين
الأوليين إنما جاء من التعلق بالمخاطبين لا من عدم وجودهما فيمن قبلهم ومن بعدهم، وإلا فهما
يعمان جميع النَّاس أَيْضًا.
قوله: وتفضيله عَلَى ملكوته أي عَلَى عالم الملك.