إنفاقكم الخ. حميد بمعنى الْفَاعل. وحمده تَعَالَى في مثل هذا قبول الإنفاق وسائر المبرات
وإثابته بأجرٍ [مَا لَهُ مِنْ نَفَادٍ] .
قَوْلُه تَعَالَى: (الشَّيْطانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ
وَفَضْلًا وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ (268)
قوله:(في الإِنفاق، والوعد في الأصل شائع في الخير والشر. وقرئ الْفَقْرَ بالضم والسكون
وبضمتين وفتحتين)في الإنفاق إشَارَة إلَى ربطه بما قبله والوعد هُوَ الْإخْبَار بما سيكون من
جهة المخبر مرتبًا عَلَى الشيء من زمان أو غيره يستعمل في الشر اسْتعْمَاله في الخير لكن في
الخير غالب، والاستواء باعْتبَار الأصل فلذا قال في الأصل أي في أصل وضعه لغة، وأما في
الاسْتعْمَال الشائع فالوعد في الخير والإيعاد في الشر حتى حملوا خلافه عَلَى الْمَجَاز والتهكم
فالوعد هنا مجاز؛ إذ الْمُرَاد منه قوله لا تنفق فإن إنفاقك يكون سببًا للفقر فهذا ليس بوعيد كما
يفهم من تعريفه أطلق عليه الوعد تهكمًا وعلاقة الْمَجَاز الإطلاق والتقييد أو المشاكلة فهنا مجاز
من وَجْهَيْن: الأول أن الفقر لا يضاف إلَى جهة الشَّيْطَان وهذا لازم في مفهوم الوعد كما عرفت.
والثاني اسْتعْمَاله في الشر وما ذكره من القراآت فلغات في الفقر وأصله كسر فقار الظهر قال
تَعَالَى (تَظُنُّ أَنْ يُفْعَلَ بِهَا فَاقِرَةٌ) أي داهية تكسر الفقار. وجه تسمية من لا مال له به وجهه ظَاهر.
قوله: (ويغريكم عَلَى البخل) يعني اسْتُعيرَ الأمر للإغراء والتزيين وبعثه لهم عَلَى
الفحشاء تسفيهًا لرأيهم وتحقيرًا لشأنهم؛ إذ حَقيقَة الأمر غير متصورة في حق الشَّيْطَان
والفحشاء ما أنكره العقل واستقبحه الشرع، وإنما حمله عَلَى البخل بمعونة المقام فحِينَئِذٍ
[تكون] هذه الْجُمْلَة مقررة لما قبلها.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: الوعد في الأصل شائع في الخير والشر يريد به بيان وجه اسْتعْمَال الوعد في الشر هنا
والحال أن المستعمل في الشر الإيعاد لا الوعد، فقال أوعده إذا خوفه بشيء مخوف عنه ووعده إذا
أخبره بما هُوَ [خير] له، لكن استعمل الوعد هنا في الشر نظرًا إلَى أصل الوضع ولا ينافيه غلبة
اسْتعْمَاله في الخير بعد وصفة شائعا في الخير والشر وتمام التحقيق فيه أنه إذا قيد بالْمَفْعُول يقال
وعدته خيرًا ووعدته شرًا، وأما إذا أطلق قيد في الخير الوعد وفي الشر الإيعاد واستعمل في الآية
مقيدًا بالْمَفْعُول.
قوله: (ويغريكم عَلَى البخل. أي يغريكم عليه إغراء المأمور عَلَى المأمور به يعني شبه إغراء
الشيطان الأمر ثم اسْتُعيرَ الأمر للإغراء فهي اسْتعَارَة مصرحة تبعية.