المشابهة لأن المسامحة هنا ترك التفحص والتعمق فهي مشابهة لغمض البصر لكن الأوجه
كونها كناية ؛ إذ الأغمض يلزمه المسامحة. نقل عن الراغب أنه قال ويستعار للتغافل والتساهل
انتهى. وأصل الإغماض إطباق الجفن لما يعرض من النوم يقال غمض عينيه من التفعيل
فأغمضها بمعنى واحد وأصله إلا بأن تغمضوا أشار إليه الزَّمَخْشَريّ بقوله لا بأن تتسامحوا
للرد عَلَى الفراء حيث قال: إن شرطية معناه إن غمضتم أخذتم فإن مصدرية حذف حرف جر
لأنه مطرد فيه، وأما كونه حالًا كما جوزه أبو البقاء فسيبَوَيْه رده بأنا إن وما في حيزها لا يقع
حالًا كذا قيل.
قوله: (وَقُرئَ تغمضوا أي تحملوا عَلَى الإغماض أو توجدوا مغمضين) وَقُرئَ
تُغمَضُوا عَلَى البناء للمَفْعُول فمعنى همزة الإفعال إما للتعدية أو للوجدان. فقوله أي لا
تحملوا عَلَى الإغماض إشَارَة إلَى الأول أو توجدوا إلَى الثاني. ونقل عن النحرير التفتازاني
أنه قال لا يوجد الإغماض بهذا الْمَعْنَى في اللغة انتهى. وهذا مشكل ؛ إذ الاستقراء التام غير
متحقق، والاستقراء الناقص ليس بمفيد عَلَى أنه قيل وما أنكره نقله أبو البقاء عن ابن جني
وهو إمام اللغة، وهذه القراءة لقتادة. الْحَشَف بفتح الحاء [والشين] الرديء. وشراره جمع شر
عطف تفسير له ولو عكس أو ترك لكان أولى. واستدل بعضهم بكون هذا سببًا للنزول عَلَى
أن حمل الطيبات عَلَى الجيد أولى من حملها عَلَى الحلال، وهو ضعيف لما مَرَّ من أن
تصدق الجيد الحرام ليس بمحمود، فالأولى حملها عَلَى الحلال الجيد معًا .
قوله:(وعن ابْن عَبَّاسٍ رضي الله عنهما كانوا يتصدقون بحشف التمر وشراره فنهوا
عنه)إن الأمر بالشيء نهي عن ضده، فالأمر بالإنفاق من الطيبات نهي عن تصدق[بالخبياث .
قوله: (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ. عن إنفاقكم، وإنما يأمركم به لانتفاعكم.(حَمِيدٌ) بقبوله
وإثابته) واعلموا الآية. والأمر بأن يعلموا ذلك مع ظهور علمهم به تنزيلهم منزلة الجاهلين
بذلك؛ إذ موجب العلم به كون تصدقهم ولو تطوعًا من الحلال الجيد فإنفاقكم الرديء من
آثار الجهل به ففَائدَة الخبر في مثله التوبيخ والتسفيه، وإلى هذا التَّفْصيل أشار بقوله عن
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
حال من يسامح في بيعه ولا يستقصي في أخذ العوض بحالة من رأى شيئاً يكرهه فيغمض عنه عينه
لئلا يراه، فاستعمل لفظ المشبه به في المشبه وهذه من باب الاستعارة التمثيلية لأن كلا من الطرفين
هيئة مركبة منتزعة من أمور .
قوله: وَقُرئَ تُغمَضُو عَلَى صيغة البناء عَلَى الْمَفْعُول أي تحملوا عَلَى الإغماض كأن شخصًا
حملهم عَلَى الإغماض .
قوله: أو توجدوا معمضين عَلَى لفظ اسم الْفَاعل من أغمض هُوَ عطف عَلَى تتسامحوا
ومدى الإغماض الوجدان عَلَى الصّفَة يقال أغمضته إذا وجدته مغمِضًا بالكسر عَلَى صيغة الْفَاعل
كما يقال أخلفته إذا وجدته مخلفًا في وعده .
قوله: وعن ابن عباس كانوا يتصدقون بحشف التمر. هُوَ بيان سَبَب نزول الآية. الْحَشَف
بفتحتين أردأ التمر .