الإخبات نزول الخبت وهو المكان المنخفض وهذا معنى الْخَاشعينَ ؛ إذ الخشوع هُوَ
الإخبات ويعم الخاضعين وتفسيره بالمخلِصين بكسر اللام أو بفتحها لكونه لازمًا له ولا
يخفى حسن الختام بالْمُخْبتينَ ويسمى تشابه الأطراف وهو أن يختم الْكَلَام بما يناسب
ابتداءه في الْمَعْنَى وهنا كَذَلكَ لكن بعد التأمل لخفائه، فإن الظَّاهر الختم بقوله وبشر
الحاجين لكن بعد التأمل حسن ما ذكر لأن أفعال الحج من نزع الثياب والتجرد عن المخيط
وكشف الرأس والتردد في تلك المواضع المغبرة المحجرة والتلبس بأفعال شاقة والاغتراب
عن الوطن والأحبة يوزن بالتواضع المحض والانقياد المفرط وهو معنى الإخبات فهو كقوله
تَعَالَى: (وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) حيث لم يقل فإنك
أنت الغفور الرحيم كما هُوَ الظَّاهر وقد بين سره في المطول. وذكر الوجل والصبر وذكر
الله ملائم للحاج وفيه مراعاة النظير وهو جمع أمر وما يناسبه لا بالتضاد .
قَوْلُه تَعَالَى: (الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَالصَّابِرِينَ عَلى مَا أَصابَهُمْ وَالْمُقِيمِي الصَّلاةِ
وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ (35)
قوله: (هيبة منه لإِشراق أشعة جلاله عليها) هيبة منه ؛ إذ الوجل الخوف وإسناده إلَى
القلب مجاز لكونه محله. قوله أشعة جلاله إشَارَة إلَى أن ذلك الخوف خوف إجلال كما أن
خوف الحاجين كَذَلكَ .
قوله: (والصابرين) عطف عَلَى الَّذينَ والتغيير حيث لم يجئ وصبروا وأقاموا
الصلاة لإفادة الدوام والثبات .
قوله: (من الكلف والمصائب) أي التكاليف الشاقة كما صبر الحجاج عليها(في
أوقاتها وَقُرئَ «والمقيمين الصلاة» عَلَى الأصل).
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
الْمَذْكُورين. فقوله المخبتين وضع للظَاهر مَوْضع ضمير الغائب الراجع إلَى المخاطبين بـ أسلموا من
مقتضى الظَّاهر أن يقال وبشرهم أي بشر يا مُحَمَّد الَّذينَ أسلموا أي استسلموا وانقادوا أو أخلصوا
التقرب أو الذكر عن إشراك الغير به تَعَالَى فعبروا بـ الْمُخْبتينَ لأن الإخبات صفتهم المستوجبة
للسعادة الأبدية الحقيقية بأن يبشر بها وَقُرئَ «والمقيمين الصلاة» عَلَى الأصل وهي قراءة ابن مسعود
وقرأ الحسن «والمقيمي الصلاةَ» بحذف النون ونصب الصلاة عَلَى أن النون مقدرة حذفت للتخفيف
كما حذفت من الَّذينَ في قوله:
فإن الذي حانت بفلج دماءهم ... هم القوم كل القوم يا أم خالد
لوزن الشعر. قال الزجاج: «والمقيمي الصلاة» القراءة بالخفض وإسقاط النون عَلَى الْإضَافَة ويجوز
«والمقيمين الصلاة» إلا أنه خلاف المصحف. قيل هُوَ مثل قوله الآمرون الخير والْفَاعلونه .