قَوْلُه تَعَالَى: (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ(9)
قوله: (تلاينهم بأن تدع نهيهم عن الشرك) أي تداهنهم صيغة المفاعلة للمُبَالَغَة أو
على أصله. قوله بأن تدع نهيهم عن الشرك بيان لمعاملتهم باللين احتراز عن كون الْمُرَاد ما
ذكر في قَوْله تَعَالَى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ) فإن الْمُرَاد به اللين
على أهل أُحد وعلى سائر أهل الْإسْلَام.
قوله: (أو توافقهم فيه أحيانًا) هذا رد الْمُشْركينَ كما فصل في سورة الإسراء ومن
جملته ما فاللَّه قريش لا نمكنك من استلام الحجر حتى تلم بآلهتنا وتمسها بيدك انتهى. لكن
لو اكتفى بالأول لكان أولى.
قوله: (فيلاينونك بترك الطعن والموافقة، والفاء للعطف أي ودوا التداهن وتمنوه)
والفاء للعطف عَلَى تدهن فيكون من جملة ودادهم، ولذا قال أي ودوا التداهن الدال عَلَى
وقوع الادهان من الطرفين، وفي التَّعْبير بالمصدر تنبيه عَلَى أن لو بمعنى أن المصدرية
لوقوعه بعد فعل ودوا. قال المص في البقرة في قَوْله تَعَالَى:(وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ
يَرُدُّونَكُمْ)أن يردوكم فإن لو تنوب عن أن في الْمَعْنَى دون اللَّفْظ أي لا
[تعمل] مثل أن.
قوله: (لكنهم أخروا ادهانهم حتى تدهن) إذ الفاء العاطفة للترتيب.
قوله: (أو للسببية أي وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فهم يدهنون حِينَئِذٍ) للسببية أي للسببية المحضة
وليست للعطف. قوله فهم يدهنون قدر المبتدأ ليظهر عدم كونها عاطفة؛ إذ حِينَئِذٍ تكون
الْجُمْلَة اسمية وما قبلها جملة فعلية وتتضح السببية، وأنت خبير بأن السببية لا تنافي العطف
كَمَا صَرَّحَ به الجامي في قوله: وإنما جاز الذي يطير .. إلَى قَوْله: لأنها فاء السببية، وفي الاحتمال
الأول فهي للعطف بلا ملاحظة السببية فلا يضر التقابل. وقيل تقدير المبتدأ: إذ لولاه لكان
الْفعْل منصوبًا الخ. وفيه نظر؛ إذ في احتمال الأول لم يقدر المبتدأ، إلا أن يقال إن في الأول
لم يلاحظ السببية، لكن قوله أخَّروا ادهانهم حتى تدهن يشعر السببية.
قوله: (أو ودوا ادهانك فهم الآن يدهنون طمعًا فيه) فصيغة الْمُضَارِع للحال وفي
الأول للاسْتقْبَال والسببية هنا ذهنًا وفيا قبله خارجًا، أو الفاء داخلة عَلَى السبب وفيما قبله
داخلة عَلَى المسبب كما هُوَ الأصل.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: والفاء للعطف. كأن الظَّاهر أن ينصب ويقال: فيدهنوا لأنه جواب التمني، لكن عدل به
إلى طريق آخر وهو إما أن لا يكون (فيدهنون) جوابًا بل يكون مَعْطُوفًا عَلَى (تدهن)
والْمَعْنَى ودوا التداهن لكنهم أخروا ادهانهم حتى تدهن. معنى التأخير مُسْتَفَاد من الفاء التعقيبية أو
يكون جوابًا لكن بتقدير مبتدأ أي ودوا لو تدهن [فهم] يدهنون حِينَئِذٍ عَلَى أن يكون يدهنون بمعنى
الاستقبال أو ودوا ادهانك فهم الآن يدهنون عَلَى أن يكون بمعنى الحال فعلى التقديرين [تكون] الفاء
للتسبب لا للعطف، لكن عَلَى التقدير الأول يكون مداهنة سببًا ومداهنتهم سببًا عنها، وعلى الثانى
يكون الأمر بالعكس.