قوله: (مِن مَلكٍ) مِن تجريدية كمن في قوله لي من فلان صديق.
قوله:(... وَالبَحْرُ دُونَك زِدْتَني نِعَمًا.
بمعنى السؤال فإن الانتظار لا يستعقب العطاء)
والبحر دونك جملة اعتراضية أو حال أي البحر دونك أي حائل بينك وبيني يعني أنه مع
بعده عنه لا يزال يتقلب في نعمه، أو الْمَعْنَى أن البحر أقل منك جودًا لا يصل إلَى كرمك.
وهذا هُوَ الْمُرَاد فإن أفصح الشعراء أكذبهم. والْمَعْنَى أن ما وصل إلَيَّ من العطاء عاجز عنه
البحر فلا يقال وحِينَئِذٍ لا مستشهد له في البيت ووجوه كثيرة باعْتبَار العدد، وأما كثرة الْوُجُوه
الْمَذْكُورة أولًا فباعْتبَار العُدد بضم العين والشرف ولذا قدمت يومئذٍ أي يوم قيام الْقيَامَة
أعيد يومئذٍ لمزيد التقرير والتهويل.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ(24)
قوله: (شديدة العبوس) مقابل بهية متهللة ولم يذكر مقابل (إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ)
لظهوره، وقد ذكر في قَوْله تَعَالَى: (كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ) .
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
ينظروا يومئذٍ إلا إلَى الله تَعَالَى بل يلزم أن ينظروا إذا رأوا الله عز وجل في ذلك اليوم إلَى شيء غيره،
ولأن الوقع الذي ذكر لا يَخْتَصُّ بذلك اليوم ولأن المقام مقام الوعد والْجَزَاء الحسن فلا يليق ما ذكر.
وقد نقل[عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ:"إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ، قَالَ: يَقُولُ اللهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى:"
تُرِيدُونَ شَيْئًا أَزِيدُكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: أَلَمْ تُبَيِّضْ وُجُوهَنَا؟ أَلَمْ تُدْخِلْنَا الْجَنَّةَ، وَتُنَجِّنَا مِنَ النَّارِ؟ قَالَ: فَيَكْشِفُ
الْحِجَابَ، فَمَا أُعْطُوا شَيْئًا أَحَبَّ إِلَيْهِمْ مِنَ النَّظَرِ إِلَى رَبِّهِمْ عَزَّ وَجَلَّ"]. وكيف يستبعد هذا والعارفون في الدُّنْيَا إنما"
استغرقوا في بحار الحب بحيث لم يلتفتوا إلَى الكون وهم في مقام الفرق وانشداد مسالك الالتفات
من القلب لاسبيلاه أنوار الكشف عليه. وقال الإمام: لا يمكن حمل النظر عَلَى الانتظار لأن لذة الانتظار
مع يقين الوقوع حاصلة في الدُّنْيَا ولا بد أن يحصل في الْآخرَة شيء أزيد منه وليس ذلك إلا النظر
إلى وجه الكريم. تم كلامه. ويمكن أن يقال: استدلالته بالتقديم ضعيف؛ إذ ليس كل تقديم مفيدًا
للاخْتصَاص بل التقديم يكون كثيرًا مجرد الاهتمام. والْحَديث الذي روي مؤذن بالاهتمام حيث قيل
فما أعطوا شَيْئًا أحب إليهم من النظر إلَى ربهم وحديث جابر:"فَيَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَيَنْظُرُونَ إِلَيْهِ، [فَلَا] يَلْتَفِتُونَ"
إِلَى شَيْءٍ مِنْ النَّعِيمِ مَا دَامُوا يَنْظُرُونَ إِلَيْهِ حَتَّى يَحْتَجِبَ عَنْهُمْ. رواه ابن ماجه أو لرعاية الفاصلة فإن
الفواصل (ناضرة) (باسرة) (فاقرة) ومما ينصر مذهب أهل السنة تفسير أعلم البرية عَلَى ما روي عن الإمام
أحمد بن حنبل والترمذي عن ابن عمر رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال:["إن أَدنَى أَهل الجنة"
منزلة الذي ينظُر إلِى جنَانه ونعيمه وخدمه وسُرُرِه من مسيرة أَلف سنة، وإن أكرمهمِ على الله من ينظر إلى
وجهه غُدْوةً وعشيَّة، ثم تلا هذه الآية: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} "]."
وروى السلمي عن أبي سلمان الداراني: لو لم يكن لأهل المعرفة سرور إلا قوله
تَعَالَى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ} لاكتفوا به وأي سرور أتم من
وصول الحبيب إلَى الحبيب والعارف إلَى معروفه.
قوله: وَإِذَا نَظَرْتُ إِلَيْكَ مِن مَلكٍ ... لفظة مِن في مِن مَلكٍ تجريدية والبحر دونك جملة معترضة
تحتمل وَجْهَيْن. أحدهما البحر بيني وبينك. وثانيهما أن البحر أقل منك في الجود. قَالَ السجاوندي: لا
حجة لهم في الشعر لأن النظر بمعنى التأمل لا يطلع عليه مخلوق، ولذلك قال: زدتني نعمًا.