والْمَعْنَى إن يشأ يعاقبهم بالإسكان أو الإعصاف أي إرسال الريح العاصفة وإن يشأ
يعف عن كثير لأنه مع كونه خلاف الظَّاهر تعقيد ومن حمل كلام الْمُصَنّف عليه فقد
بعد عن المرام.
قوله: (وَقُرئَ «ويعفو» عَلَى الاسْتئْنَاف) أي عَلَى أنه ابتداء كلام ليس بعطف وإنما هُوَ
مسوق لبيان كرمه وعفوه تَعَالَى عن كثير من النَّاس مع تحقق السبب المعدى إلَى إهلاكهم
بعد بيان أخذ أرباب المعاصي زجرًا لغيرهم عنها وإخلاء العالم عن الإفساد والفساد. وقيل
على الاسْتئْنَاف أي عَلَى عطفه عَلَى مجموع الشرط والْجَوَاب لا عَلَى الْجَوَاب وحده وسماه
اسْتئْنَافًا لعطفه عَلَى جملة مُسْتَأْنَفَة والْمَعْطُوف في حكم الْمَعْطُوف عليه انتهى. ولا يخفى أنه
تكلف والظَّاهر ما ذكرناه. نعم إن ما ذكره يصح أن يكون وجهًا آخر.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَيَعْلَمَ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِنَا مَا لَهُمْ مِنْ مَحِيصٍ(35)
قوله: (عطف على علة مقدرة مثل لينتقم منهم وَيَعْلَمَ، أو عَلَى الْجَزَاء) عطف الخ.
والمشهور في مثله ذكره باللام التعليلية قال في قَوْله تَعَالَى(وَليَعْلَمَ اللَّهُ الَّذينَ آمَنُوا
منكم)عطف عَلَى علة مَحْذُوفة للتنبيه عَلَى كثرة العلل كأنه قيل: ليكون كيت وكيت وليعلم
الخ. وما ذكره هنا لا نعرف له نظيرًا، ولعل لهذا قال: أو عَلَى الْجَزَاء. قوله ونصب جواب
سؤال مقدر والْمَعْطُوف عليه مجزوم فَكَيْفَ النصب؟ فأجاب بما ترى. قيل قوله أو عَلَى
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: أو عَلَى الْجَزَاء أو نصب نصب الواقع جوابًا للأشياء الستة لأنه أيضًا غير واجب. لما
اقتضى العطف عَلَى الْجَزَاء الجزم في يعلم لا النصب جعل جواب الشرط محمولًا عَلَى جواب
الأشياء في جواز النصب تشبيهًا له به في أن فعل الْجَزَاء غير واجب الحصول كجواب تلك الأشياء
أما عدم الوجوب في وجوب الأشياء الستة فلكونها إنشاءات والإنشاء غير متحصل الْمَعْنَى وكَذَلكَ
جواب الشرط غير متحصل لأنه تعليق شيء بشيء بمعنى إن كان كان، وفي الكَشَّاف:[وأما قول
الزجاج: النصب على إضمار أن؛ لأنّ قبلها جزاء، تقول: ما تصنع أصنع مثله وأكرمك.
وإن شئت وأكرمك، على: وأنا أكرمك. وإن شئت وأكرمك جزما، ففيه نظر لما أورده سيبويه في كتابه. قال: واعلم أنّ النصب بالفاء والواو
في قوله: إن تأتنى آتك وأعطيك: ضعيف، وهو نحو من قوله: وألحق بالحجاز فأستريحا. فهذا يجوز، وليس
بحدّ الكلام ولا وجهه، إلا أنه في الجزاء صار أقوى قليلا؛ لأنه ليس بواجب أنه يفعل. إلا أن يكون من
الأوّل فعل، فلما ضارع الذي لا يوجبه كالاستفهام ونحوه: أجازوا فيه هذا على ضعفه. ولا يجوز أن
تحمل القراءة المستفيضة على وجه ضعيف ليس بحدّ الكلام ولا وجهه، ولو كانت من هذا الباب
لما أخلى سيبويه منها كتابه، وقد ذكر نظائرها من الآيات المشكلة]. إلَى هنا كلام الكَشَّاف الْمُرَاد بنفي
الحد في قوله وليس بعد الْكَلَام نفي الجواز وبنفي الوجه لفي الحسن كذا قَالُوا. وقيل يمكن أن
يراد بالحد الثابت المقرر المؤصل وبالوجه ما يحمل عليه شيء لمشابهته به. قال الطيبي في شرح
قوله: فلما ضارع الذي لا يوجبه كالاسْتفْهَام ونحوه أجازوا فيه هذا يعني أن فعل الْجَزَاء يشبه
الإنشائيات في أنه غير ثابت إلا أن يثبت الشرط فجاز لهذا أن يجاب به الأشياء الستة لأنها ليست
بثابتة لكن عَلَى ضعفه.