غيرهم وأنهم مع كثرتهم لم يسمعوها فَكَيْفَ بواحد منهم) الظَّاهر أنه تفسير عَلَى التقديرين
لكن الأظهر كونه تفسيرًا للأخير، وأما عَلَى الثاني فالْمَعْنَى أي مجهولة عندك الخ. تركه لأنه
حِينَئِذٍ مثل كونه خبرًا آخر في المآل فاكتفى بتفسيره هناك؛ إذ لم يخالط غيرهم أي غير قومه
من أهل الْكتَاب ولم يسمعه بلا خلطة فإن قومه مع كثرتهم لما لم يسمعوه فَكَيْفَ يظن
سمعه بواحد منهم، والْمُرَاد بالواحد النَّبيّ عَلَيْهِ السَّلَامُ فإذا كان الأمر كَذَلكَ يكون معجزة له
عَلَيْهِ السَّلَامُ حيث أخبر عن المغيبات بالوحي عَلَى ما هُوَ في الواقع في نفس الأمر ومن
هذا البيان ينكشف فَائدَة الخبر.
قوله: (عَلَى مشاق الرسالة وأذية القوم كما صبر نوح) فيه إشَارَة إلَى أنه كالفذلكة لما
قبله وإن ذكر عدم علم قومه مع التشبيه الْمَذْكُور أن إفادة إعلامهم بذلك ليكُونُوا عَلَى حذر
من أن تصيبهم مثل ما أصاب أُولَئكَ أن تماثلوا في أسباب ذلك فإن التماثل في الْأَسْباب
يقتضي التماثل في المسببات.
قوله: (في الدُّنْيَا بالظفر وفي الْآخرَة بالفوز) في الدُّنْيَا بالظفر وإن كان لهم بأس في
بعض الأحيان والاعتبار بالعاقبة لبقاء الإحسان.
قوله: (عن الشرك والمعاصي) حمل الاتقاء عَلَى المرتبة الوسطى وعن هذا عطف
المعاصي عَلَى الشرك ولك الاكتفاء بالانقاء عن الشرك ميلًا إلَى المرتبة الأدنى من
مراتب التَّقْوَى.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَإِلى عادٍ أَخاهُمْ هُودًا قالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ إِنْ
أَنْتُمْ إِلَّا مُفْتَرُونَ (50)
قوله: (عطف عَلَى قوله:(نوحًا إلَى قومه) فالواو عطف المجرور
على المجرور والمنصوب عَلَى المنصوب والجامع بَيْنَهُمَا خيالي. وقيل إنه عَلَى إضمار أي
وأرسلنا إلَى عاد لطول الفصل فهو من عطف جملة عَلَى جملة أخرى انتهى. لو كان طول
الفصل مانعًا من عطف المفرد لكان أَيْضًا من عطف الْجُمْلَة. فالأحسن الحمل عَلَى الإضمار
فالواو ابتدائية وقدم عاد لئلا يلزم الإضمار قبل الذكر.
قوله: (وهودًا عطف بيان) أي لـ أخاهم والتَّعْبير بالأخ قد مَرَّ وجهه في سورة الأعراف.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
معجزة من معجزاته صلى الله عليه وعلى آله؛ إذ الخطاب في (نوحيها إليك) وفي(مَا
كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ)وفي (فاصبر) لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - والضَّمير في قوله([لما لم
يسمعوها فكيف بواحد منهم)] للقصة باعْتبَار الْمَعْنَى؛ لأن القصة في الأصل مصدر بمعنى الاقتصاص لأن
تلك القصة هي الوحي من الله تَعَالَى:
قوله: (وإلى عاد) عطف عَلَى قوله: (نوحًا إلَى قومه) أي عَلَى
قوله: عز وعلا فيما سبق: (ولقد أرسلنا نوحًا إلَى قومه) والْمَعْنَى:[ولقد أرسلنا إلَى
عاد أخاهم هُودًا].