ظاهره يكون هذا تعميمًا بعد التَّخْصِيص والنُّكْتَة في التَّخْصِيص التَّنْبيه عَلَى كمال شناعتها
لأن الزنا أشنع أحوال الْإنْسَان والشرك والقتل غني عن البيان.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَالَّذِينَ لاَ يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرامًا(72)
قوله: (أي لا يقيمون الشَّهَادَة الباطلة) أي يؤدون الشَّهَادَة والإقامة هنا غير
مستحسن أو أكثر اسْتعْمَاله بل عمومه في الأمور الممدوحة، وإنما فسرها بها ليحصل
المقابلة للوجه الآتي.
قوله: (أو لا يحضرون محاضر الكذب فإن مشاهدة الباطل شركة فيه) أو لا
يحضرون الخ. وهذا مجاز والعلاقة ما آكار إليه بقوله فإن مشاهدة الباطل الخ. أولًا
يشهدون من الشهود بمعنى الحضور فحِينَئِذٍ يكون قوله فإن شاهدة الباطل أي بالاختيار
بيان فساد ذلك الحضور، والزور إما منصوب عَلَى المصدرية أو بنزع الخافض إن كان
من الشَّهَادَة أي شهادة الزور أو بالزور وإن كان من الشهود فهو مفعول به بتقدير
مضاف كما أشار إليه بقوله محاضر الكذب سواء كان ذلك شهادة الزور أو لا، ولذا
قال الكذب فالثاني أعم والأول أهم.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: لا يقيمون الشَّهَادَة الباطلة، أو لا يحضرون محاضر الكذب. الوجه الأول تفسير للشهادة
على الْمَعْنَى المصطلح عند الفقهاء، والثاني تفسير لها عَلَى الْمَعْنَى اللغوي.
قوله: فإن مشاهدة الباطل شركة فيه ولذلك قيل في النظارة إلَى كل ما لم تسوغه الشربعة هم
شركاء فاعليه في الإثم لأن حضورهم ونظرهم دليل الرضى وسبب وجوده وسبب الزّيَادَة فيه لأن
الذي سلط عَلَى فعله وحمل الْفَاعل عليه هُوَ استحسان الناظرين ورغبتهم في النظر إليه. وفي مواعظ
عيسى ابن مريم صلوات الله عليه إياكم ومجالسة الخطائين. ويدخل فيما لم تسوغه الشريعة أبنية
الظلمة [وأفنيتهم] وحضور مجالسهم. قال أبو حامد في الإحياء: إن السلاطين في زماننا هذا ظلمة [قلَّما]
يأخذون شَيْئًا عَلَى وجهه بحق فلا تحل معاملتهم ولا معاملة من يتعلق بهم حتى القاضي ولا
التجارة في الأسواق التي بنوها بِغَيْرِ حَقٍّ، والورع اجتناب الربط والمدارس والقناطير التي بنوها
بالأموال المغصوبة التي لا يعلم مالكها. قال أكثر الْمُفَسّرينَ الْمُرَاد بقوله (لا يشهدون الزور) الشرك
يعني لا يشركون باللَّه تَعَالَى شَيْئًا. وقال علي بن أبي طلحة يعني شهادة الزور وكان عمر بن الخطاب
رضي اللَّه عنه يجلد شاهد الزور أربعين جلدة ويسخم وجهه ويطوف به في الأسواق. وقال ابن
جريج: الْمُرَاد به الكذب. وقال مجاهد يعني أعياد المشركين. وقال قتادة لا يساعدون أهل الباطل عَلَى
باطلهم. وقال مُحَمَّد ابن الحنفية لا يشهدون اللهو والغناء. قَالَ ابن مسعود: الغناء ينبت النفاق في
القلب كما ينبت الماء الزرع. وأصل الزور تحسين الشيء ووصفه بخلاف صفته فهو تمويه الباطل
بما يوهم أنه حق.