قوله: (ما يجب أن يلغي ويطرح) بالغين الْمُعْجَمَة تفسير للغو. قوله ويطرح عطف
لقوله يلغي عَلَى طريق التَّفْسير واحتمال كونه بالقاف ضعيف .
قوله: (معرضين عنه مكرمين أنفسهم عن الوقوف عليه والخوض فيه) معرضين
عنه هذا ثابت بالاقتضاء، ولذا قدمه مكرمين أنفسهم يعني أن كرامًا جمع كريم بمعنى
مكرم وقد أنكر الشيخان كون فعيلًا بمعنى مفعلًا في قَوْله تَعَالَى: (ولهم عذاب أليم)
لكن قد اعترفاه في قَوْله تَعَالَى: (بديع السَّمَاوَات) الآية.
كما هنا قوله أنفسهم إشَارَة إلَى الْمَفْعُول الْمَحْذُوف خصصه لأنه لا إكرام لغيره بالصفح
ونحوه لأن ما يجب طرحه يجب منعه والصفح ليس بممدوح، ولعل مدح ذلك عند عدم
القدرة عَلَى دفعه .
قوله:(ومن ذلك الإِغضاء عن الفواحش والصفح عن الذنوب والكناية فيما يستهجن
التصريح به)ومن ذلك أي ومن المرور الْمَذْكُور الإغضاء أي الإغماض عن الفواحش أي
عن إفشائه. والصفح أي الإعراض عن الذنوب أي إذا لم يستطع دفعها ودخول الْكِتَابَة فيه
مع أنه لا مرور فيه بطَريق دلالة النص ولذلك فصل بقوله ومن ذلك الخ. وفي قوله
والخوض فيه تنبيه على أن الْمُرَاد باللغو وغير اللغو الذي خاطبهم الجاهلون ولم يجئ
والَّذينَ إذا مروا باللغو لأنه من قبيل عدم شهود الزور، وفي أسلوبه فلم يفصل عنه كما لم
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: معرضين عنه. أي مروا معرضين عن اللغو مكرمين أنفسهم عن التوقف عليه والخوض
معهم فيه كقَوْله تَعَالَى(وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ
عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ).
قوله: ومن ذلك الإغضاء عن الفواحش. أي ومن المرور عن اللغو كرامًا غض البصر وعدم
الالْتفَات إلَى الفواحش والإغضاء في الأصل إدناء الجفون والكناية عَمَّا يستهجن التصريح به أي
ومن ذلك المرور عن اللغو كرامًا أن يكنى عَمَّا يستقبح التصريح بذكره كما إذا ذكروا النكاح كنوا
عنه. روى محيي السنة عن الحسن والكلبي: اللغو المعاصي كلها يعني إذا مروا بمجالس اللهو
والباطل مروا كرامًا مسرعين معرضين يقال تكرم فلان عَمَّا ليس إذا تنزه وأكرم نفسه عنها أي
لم يشنهم المعاصي، ثم هذه الخاتمة أعني قوله عز قائلأ: (وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا)
إذا فسرت قوله (لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ) بأنهم لا يحضرون
محاضر الكذب كانت كالتتميم له لأنه يفيد المُبَالَغَة في الإعراض عن الكذب وإذا فسرته بأنهم
لا يقيمون الشَّهَادَة الباطلة كانت كالتكميل له فإنه لو اقتصر عَلَى وصفهم بأنهم لا يقيمون
الشَّهَادَة الباطلة لتوهم أنهم إذا مروا على اللغو فعسى ينظرون ويلتفتون إليه فأتى به عَلَى طريق
التكميل لدفع هذا الوهم، وإنما قلنا كالتكميل لإمكان أن لا يتوهم ذلك فلا يحتاج إلَى التذييل
على وجه التكميل بل يكون هذا الْكَلَام واردًا عَلَى وجه التتميم، ويجوز أن يكون تتميمًا عَلَى
قول الحسن لأن من وقف مواقف السفهاء سفيه ويكون قدحًا في عدالته فجيء بقوله:(وَإِذَا
مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا)وصفًا لهم بالعدالة التي هي شرط قبول الشهادة
فيكون هذا التتميم كالعلة لمضمون الجملة السابقة، وبيان العلة هَاهُنَا هي نكتة التذييل بالتتميم .