لنظم القصة لأن القصة الْمَذْكُورة هنا قبل الاستنباء، وإنما قال أوفق لأن الأول موافق له لأن
فيه بيان إنجاز الوعد فإن الموعود لأم مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ كان هُوَ الرد وجعله من الْمُرْسَلينَ
فأَشَارَ إلَى الأول بقوله: (وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ) وإلَى الثاني بقوله:
(ولما بلغ أشده) الخ. والواو لا يقتضي الترتيب فهذا الْقَوْل يكون بيانًا
إجماليًا لإنجاز الوعد بجعله من الْمُرْسَلينَ بعد رده لأمه فإنجاز الوعد بالمشاهدة في الأول
وفي الثاني بالخبر المشابه بالمجاهدة كأنه قيل: كما أنجزت وعد الرد أنجز وعد جعله من
الْمُرْسَلينَ ومثل ذلك الذي فعلنا بمُوسَى وأمه.
قوله: (عَلَى إحسانهم) فيه إشَارَة إلَى أنه إنما آتاه الحكم والعلم لاستحقاقه لإحسانه العمل
والنبوة وإن لم تكن جزاء عَلَى العمل لكن يترتب عليه في الْجُمْلَة قال تَعَالَى(اللَّه أعلم حيث
يجعل رسالته)فلا دلالة فيه عَلَى أن الْمُرَاد بالحكم الْحكْمَة وعلم الحكماء
فهذا ينتظم عَلَى الوَجْهَيْن. غاية الأمر أنه ظَاهر في الوجه الثاني لا أنه دليل عليه.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَدَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلى حِينِ غَفْلَةٍ مِنْ أَهْلِها فَوَجَدَ فِيها رَجُلَيْنِ يَقْتَتِلانِ هذا مِنْ
شِيعَتِهِ وَهذا مِنْ عَدُوِّهِ فَاسْتَغاثَهُ الَّذِي مِنْ شِيعَتِهِ عَلَى الَّذِي مِنْ عَدُوِّهِ فَوَكَزَهُ مُوسى فَقَضى عَلَيْهِ قالَ هذا
مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ إِنَّهُ عَدُوٌّ مُضِلٌّ مُبِينٌ (15)
قوله:(ودخل مصر آتيًا من قصر فرعون وقيل منف أو حائين، أو عين شمس من
نواحيها)ودخل مصر غير منصرف لأنه علم لمصر القاهرة قدمه لأنه هُوَ الظَّاهر من مصر
لما عرفته أنه علم له. قوله آتيًا من قصر فرعون؛ إذ الدخول يستلزم عدم كونه فيه لأنه عبارة
عن حركة من خارج إلَى داخل وقصر فرعون في منف عَلَى ما صرح به البعض. وقيل في
منف عطف عَلَى مصر وهي اسم بلدة خارج مصر القاهرة. والْمَعْنَى دخل منف آتيًا من مصر
القاهرة مثلًا وهي بضم الميم والنون ساكنة وهي غير منصرفة للعلمية والعجمة. قيل
والمعروف فيها منوف بواو وتفصيله في أسماء البلدان وحابين بحاء مهملة وباء موحدة أو
عين الشمس اسما بلدتين من نواحي مصر.
قوله:(في وقت لا يعتاد دخولها ولا يتوقعونه فيه، قيل كان وقت القيلولة وقيل بين
العشاءين)في وقت الخ. أشار به إلَى أن عَلَى بمعنى في. قوله لا يعتاد دخولها بيان كون ذلك
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
وعلمًا في الآية. بالنبوة وعلم الدين يلزم أن يكون نبيًا عند الخروج من بينهم لتعليق الإيتاء في
الآية. بلوغ الأشد وهو لم يكن نبيًا حِينَئِذٍ فوجب أن يفسر الحكم والعلم بالوجه الثاني وهو أن
يكون الْمُرَاد بالحكم والعلم علم الحكماء والعلماء وسمتهم. السمت الطريق والسمت هيأة أهل
الخير والثاني هُوَ الْمُرَاد هنا.
قوله: في وقت لا يعتاد دخولها. قيل لما بلغ حد الشباب وعقل أخذ يتكلم بالحق وينكر
عليهم لا عَلَى تغفل.