قوله: (عَلَى الطريقة المثلى) أي الفضلى تأنيث الأفضل بمعنى الأمثل، وإنما حملها
عليها لأن المطلق محمول عَلَى فرده الأكمل فاللام للجنس، وهذا أولى من كونه للعهد
لتضمنه الادعاء بأن الإنس الجنس كأنه هي لا فرد له آخر.
قوله:(لوسعنا عنهم الرزق. وتَخْصيص الماء الغدق وهو الكثير بالذكر لأنه أصل
المعاش والسعة ولعزة وجوده بين العرب)لوسعنا عنهم نبه به عَلَى أن ما ذكر مجاز عن
التوسيع في الرزق؛ لأن الماء الكثير أصل المعاش والسعة لف ونشر فنفس الماء سبب أصل
المعاش وكثرته أصل سعته، وفيه تحريض عَلَى هذا الطريق وعلى مداومة المبرات في عموم
الأوقات وهذا كقَوْله تَعَالَى:(وَلَوْ [أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى] آمَنُوا وَاتَّقَوْا [لَفَتَحْنَا] عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ
وَالْأَرْضِ) قوله بالكثير متعلق بتَخْصيص والباء داخل عَلَى المقصور. قوله
وعزة وجوده أي قلة وجوده وتقر أعينهم بالماء الكثير لا سيما الماء البارد.
قَوْلُه تَعَالَى: (لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ يَسْلُكْهُ عَذَابًا صَعَدًا(17)
قوله: (لنختبرهم كَيْفَ يشكرونه) أي لنعاملهم معاملة المختبرين وفيه اسْتعَارَة تمثيلية
كما مَرَّ مرارًا في مواضع عديدة. قوله كَيْفَ يشكرونه أي ليعلم الخلق كَيْفَ يشكرونه [وهذه]
فَائدَة [الاختبار] ولظهوره لم يذكر العلم. وحاصله ليعلم هل يشكرون أم لا، كما ذكره في
نظائره وكيفية الشكر [تعم] وجودًا وعدمًا فيكون حاصله ما ذكر.
قوله:(وقيل معناه أن لو استقام الجن على طريقتهم القديمة ولم يسلموا باستماع
القرآن لوسعنا عليهم الرزق مستدرجين لهم لنوقعهم في الفتنة ونعذبهم في كفرانهم)وهذا
بعيد جدًا إذ الاستقامة تستعمل في الأمور المشروعة وكذا الطريقة مُتَعَارَفة في طريق الحق
والصواب فحمله عَلَى طريقة الكفر خروج عن الطريق. وما قاله الطيبي من أن التذييل بقوله:
(وَمَنْ يُعْرِضْ عَنْ ذِكْرِ رَبِّهِ) يؤيد هذا فليس بطيب وكون النعمة الْمَذْكُورة
استدراجًا مع إمكان حملها عَلَى ظاهرها بعيد جدًا.
قوله: (عن عبادة ربه أو موعظته أو وحيه) عن عبادة ربه أي الذكر مجاز عن
الْعبَادَة لاشتمال الْعبَادَة الذكر فذكر الجزء وأريد الكل فيكون المصدر مضافًا إلَى
الْمَفْعُول. قوله أو وموعظته فيكون مضافًا إلَى الْفَاعل لأنه حِينَئِذٍ بمعنى التذكير مَجَازًا
لاستلزامه الذكر. قوله أو وحيه أي إيحائه فيكون أَيْضًا مضافًا إلَى الْفَاعل، وكذا إذا كان
بمعنى الموحى به مضاف إلَى الْفَاعل ومجاز أَيْضًا لاشتماله الذكر وكذا [إذا] أريد به
الْقُرْآن، ولعل مراده بالوحي الْقُرْآن وإن كان أعم منه قدم الأول لأنه الْمُتَبَادَر منه مع
ملائمتها لما سبق وما لحق. ومَن في (ومَن يعرض) عام للإنس والجن
فلا تكرار مع قوله (وأما القاسطون) عَلَى أن هذا من كلام الجن وذاك من كلام الله تَعَالَى
إذ كلامهم قد تم بقوله: (وأما القاسطون) الآية. قوله (وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا)
من كلام الله تَعَالَى ومن جملة الموحى إليه عَلَيْهِ السَّلَامُ.