المظلومين لم يذكروا هنا (لدلالة الظلم عليهم) فيكونون مذكورين حكمًا.
قَوْلُه تَعَالَى: (أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ أَلا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ
يَعْلَمُونَ (55)
قوله: (أَلا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ) وبما فيها ما وجد فيهما إما داخلًا في
حقيقتهما وهو أجزاؤهما أو خارجًا عنهما متمكنًا فيهما. والْمَعْنَى ألا إن لله جميع
الموجودات الممكنات إيجادًا وملكًا وتصرفًا وإلى هذا أشار بقوله(تقرير لقدرته تَعَالَى عَلَى
الإثابة والعقاب)إذ فيه إشَارَة إلَى مقدمة تصلح للكبرى وهي أن كل موجود حادث له تَعَالَى
ملكًا وتصرفًا، ومن هذا شأنه فيقدر عَلَى كل ممكن فيقدر عَلَى العقاب فإنه من جملة
الممكنات وذكر الإثابة لانفهامها وإن لم تذكر هنا، ولما كانت الآية تذييلًا لما سبق وتقديرا
له فصل ولم يعطف وفي بيانه إشَارَة إليه.
قوله: (ما وعده من الثواب والعقاب كائن) قد عرفت أن الوعد في الأصل شائع في
الخير والشر، وبهذا الاعتبار حمل الْمُصَنّف الوعد عليهما فلا تَغْليب.
قوله: (لا خلف فيه) قال في تفسير قَوْلُه تَعَالَى: (مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ) .
أي بوقوع الخلف فيه فلا تطمعوا أن أبدل وعيدي. وعفو بعض المذنبين لبعض الْأَسْباب
ليس من التبديل فإن دلائل العفو تدل عَلَى تَخْصيص الوعيد انتهى. فعلم منه أنه ممن لم
يجوز الخلف في الوعيد كالوعد، وبعضهم جوز الخلف في الوعيد بناء عَلَى أن آيات الوعيد
إما إنشاء أو مقيد بقيد كعدم العفو والشفاعة. والنزاع لفظي عند التحقيق فلا اعتراض عَلَى
الْمُصَنّف بأن الخلف فيه أي في الوعيد جائز فإن هذا مذهب البعض لم يرض به.
قوله: (لأنهم لا يَعْلَمُونَ) أي وعده وصحته أولًا يكون لهم علم فضلًا عن العلم
بصحة وعليه.
قوله: (لأنهم لا يَعْلَمُونَ لقصور عقلهم) وعدم تفكرهم (إلا ظاهرًا من الحياة الدُّنْيَا)
ما يشاهدونه منها والتمتع بلذاتها ولا يخطرون ببالهم الْآخرَة فأنى لهم الذكرى والتفكر في
الوعد ووقوعه.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
وهذا السؤال إنما يرد إذا أريد بالقضاء في (قُضِيَ بَيْنَهُمْ) الحكومة بينهم فإن الحكومة تكون بين
الظَّالمينَ وبين المظلومين؛ إذ لو أريد بالقضاء المجازاة بينهم لصح أن يراد بالضَّمير الظالمون فقط
بخلاف ما إذا أُريد به الحكومة فإن الحكومة تقتضي الدعوى من جهة المظلوم فحِينَئِذٍ يجب التعميم
في الضَّمير للظالمين والمظلومين. ومحصل الْجَوَاب أن الضَّمير إنما تناول المظلومين مع الظَّالمينَ مع
أن الْمَذْكُور الظالمون فقط لدلالة الظلم في (ظلمت) عَلَى المظلوين أَيْضًا هذا إذا أريد بالظلم في
(ظلمت) التعدي عَلَى الغير وبالقضاء الحكومة، ولذا أورد البيان عقيب قوله: أو الحكومة فكأنه قيل ولو
أن لكل نفس ظلمت نفسًا أخرى فيدل الظلم عَلَى النفس المظلومة أَيْضًا يقتضي فاعلًا يصدر منه
ومَفْعُولًا يقع عليه. هذا هُوَ وجه دلالة الظلم عليهم الموجبة لأن يتناول الضَّمير مجموع الظالمين
والمظلومين معا لا الظَّالمينَ فقط كما يفهم ذلك من حيث الظَّاهر.