الندامة غايتها بحَيْثُ لا مزيد عليه وهذا معنى الْإخْلَاص هنا. وقيل: والْمُرَاد أخلصوها لأنها
سرية فإذا وضعت بذلك أفاد تأكيدها وقوفها وإخلاصها لأن أعمال القلب من شأنها
الْإخْلَاص، ولذا يقال للخالص إنه سره لأنه من شأنه أن يخفى ويصان ويضن به انتهى.
فحِينَئِذٍ إطلاق السر عليه مجاز باعْتبَار ما يؤول إليه، ولا يخفى عليك أنه لا يناسب هذا
المقام إلا بما فسرنا به وفيه نوع بعد ومن هذا مرضه وضعفه.
قوله: (وقيل أظهروها) وهذا الْمَعْنَى لا يلائم الْمَعْنَى الأول وما ذكر في وجهه من
أنهم بهتوا بما عاينوا الخ. إلا أن يحمل كل منهما عَلَى موطن مغاير لموطن آخر ففي موطن
لم يقدروا النطق أو لم يؤذنوا له وفي موطن آخر لعلهم قدروا عَلَى النطق وأذنوا له أشار
إليه الْمُصَنّف في قَوْله تَعَالَى: (هذا يوم لا ينطقون) الآية. ولما لم يخل
عن توجيه وتكلف مرضه وزيفه.
قوله: (من قولهم سر الشيء وأسره إذا أظهر) فالإسرار من الأضداد ولا يضره
اشتهاره في معنى الإخفاء.
قوله: (ليس تكريرًا لأن الأول قضاء بين الْأَنْبيَاء ومكذبيهم) أي لقوله:(فإذا جاء
رسولهم قضى بينهم بالقسط)وأنت تعلم أنه لا يخطر بالبال شائبة التكرار
حتى لا يحتاج إلَى التوجيه لظهور أن مورد كل منهما غير مورد الآخر(والثاني مجازاة
الْمُشْركينَ عَلَى الشرك)وبيان أنهم لا يظلمون بزيادة عقابهم عَلَى استحقاقهم.
قوله: (أو الحكومة) أي والثاني الحكومة الخ. هذا ناظر إلَى قَوْله فيما مضى أو
التعدي بالغير كما أن الأول ناظر إلَى الأول (بين الظَّالمينَ والمظلومين) .
قوله: (والضَّمير) أي ضمير بينهم (إنما يتناولهم) أي الظَّالمينَ والمظلومين معًا مع أن
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: والمادة القابلة إلَى آخره. جملة حالية واردة في معرض التعليل لنفي زوال قدرته تَعَالَى
عن الإحياء والإمانة وإنما قيده بمضمون هذه الحال إشعارأ بأن الممتنع لذاته لا يدخل تحت القدرة
لعدم قابليته لنفاذ القدرة وتعلقها به لا لعجز في القادر.
قوله: عن محاسن الْأَعْمَال مراد بها الْأَعْمَال الحسنة المأمور بها. وقوله ومقابحها أَشَارَ إلَى
المعاصي المنهي عنها، وقوله والمرغبة في المحاسن إشَارَة إلَى الأوامر، وقوله والزاجرة عن القبائح
إشَارَة إلَى النواهي.
قوله: تقرير للإثابة والعقاب هُوَ بيان اتصال هذه الآية بما قبلها وجه تقريره لهما دلالته عَلَى
كمال قدرة الله تَعَالَى وشمولها عَلَى جميع الممكنات لما أفاد قوله عز وجل:(قضي بينهم
بالقسط)أن الله يعدل بين النفوس يَوْم الْقيَامَة والعدل يكون بإثابة المطيع وعقاب
العاصي أتبعه ما يقرره ليكون كالدليل عليه.
قوله: والضَّمير إنما يتناولهم. جواب لما عسى يُسأل ويقال إن الضَّمير في (بينهم)
وفي (وهم لا يظلمون) راجع إلَى كل نفس ظلمت فالظاهر أن
يراد بالضَّمير فيهما الظالمون فقط لا الظالمون والمظلومون معًا إذ لم يجر ذكر المظلوم ظاهرًا