قَوْلُه تَعَالَى: (لَتُبْلَوُنَّ فِي أَمْوالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ وَلَتَسْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا
الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا أَذىً كَثِيرًا وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ
ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ (186)
قوله: (أي والله لتختبرن) أي اللام جواب قسم مَحْذُوف. قوله لتختبرن أي أصل
الابتلاء الاختبار والامتحان أو أصله التكليف بالأمر الشاق من البلاء لكنه لما استلزم
الاختبار بالنسبة إلَى من يجهل العواقب فسر به واختباره تَعَالَى مجاز عَلَى طريق التمثيل شبه
حاله تَعَالَى مع المكلف في تكليفه مع تمكينه من الأمرين الطاعة والمعصية بحال المختبر
أي الممتحن مع المختبَر بفتح الباء ثم عبر عنها بالاختبار. وهذه الآية تسلية للْمُؤْمنينَ باختبار
ما سيلقونه من الْمُشْركينَ إثر تسلية ما قد وقع منهم ليستعدوا لقائه ويقابلوه بحسن الصبر
فإن هجوم الأوقات مما يشتت الفؤاد وبهذا البيان يعلم الارتباط .
قوله: (بتكليف الإنفاق وما يصيبها من الآفات) لأنه مما يشق عَلَى النفس بحسب
الطبع وإن كان في الْحَقيقَة الإضعاف لا الإتلاف وكون التكليف بالأوامر من الابتلاء مما
أنفق عليه المحققون والمفسرون وقد صرحوا به في قَوْله تَعَالَى:(وَإذ ابْتَلَى إبْرَاهيمَ رَبُّهُ
بكلمات فَأَتَمَّهُنَّ)الآية.
قوله:(بالجهاد والنقل والأسر والجراح وما يرد عليها من المخاوف والأمراض
والمتاعب)إذ الامتحان قد يكون بالنسبة إلَى النوع كما يكون بالنسبة إلَى الشخص وقدم
الأموال لكثرة وقوع الهلكة بها مع أنها شقيق الروح .
قوله: (من قبلكم) أي من زمان قبل زمان وجودكم أو من قبل إيتاء الْقُرْآن وهم
الْيَهُود والنصارى والتَّعْبير عنهم بذلك لمزيد التوبيخ عَلَى ما وقع عنهم ؛ إذ التمسك بالْكتَاب
مما يوجب الاتفاق وهم يجعلونه ذريعة إلَى النفاق كما يومئ إليه قولهم:(إنَّ اللَّهَ عهد
إلينا)الآية. ومقابلتهم بالْمُشْركينَ لأنهم موحدون بزعمهم وادعائهم وإن
كانوا مشركين حَقيقَة وفي نفس الأمر .
قوله: (من هجاء الرَّسُول عَلَيْهِ السَّلَامُ والطعن في الدين وإغراء الكفرة عَلَى الْمُسْلمينَ
أخبرهم بذلك قبل وقوعه ليوطئوا أنفسهم عَلَى الصبر والاحتمال ويستعدوا للقائها حتى لا
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: أخبرهم بذلك قبل وقوعها ليوطئوا أنفسهم عَلَى الصبر وفي الكَشَّاف خوطب المؤمنون
بذلك ليوطئوا أنفسهم عَلَى احتمال ما سيلقون من الأذى والشدائد والصبر عليها حتى إذا لقوها
لقوها وهم مستعدون لا يرهقهم ما يرهق من تصبب الشدة بغتة فيشكرها وتشمئز منها نفسه .
قوله: حتى لا يرهقهم نزولها من رهِقه بالكسر أي غشيه أي حتى لا يغشاهم نزول تلك
الأمور التي يختبر بها من الْمَذْكُورات .