قَوْلُه تَعَالَى: (قُلْ أَتُحَاجُّونَنا في اللَّه وَهُوَ رَبُّنا وَرَبُّكُمْ وَلَنا أَعْمالُنا وَلَكُمْ أَعْمالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ
مُخْلصُونَ (139)
قوله: (قل يَا أَيُّهَا الرَّسُول لأهل الْكتَاب إسكاتا وإلزامًا. خص الخطاب به عليه
السلام بعد تعميم الخطاب في قولوا لما أن المأمور به هنا من الأمور الخاصة به عليه
السلام دون المأمور به هناك فإنه عام له ولغيره عَلَيْهِ السَّلَامُ .
قوله: (أَتُحَاجُّونَنا) تجادلوننا) أَتُحَاجُّونَنا: المحاجة المقاومة في إظهار الحجة المبينة
للمحجة أي المقصد لكن الْمُرَاد هنا المجادلة الفارغة والمكابرة الفاسدة، وعن هذا قال
المص أتجادلوننا تنبيهًا عَلَى ذلك والمجادلة هنا غير المجادلة التي أمر الله بها [نبيه] عليه
السلام بقَوْلُه تَعَالَى: (وجادلهم بالتي هي أحسن) الآية.
قوله: (في شأنه واصطفائه نبيًا من العرب دونكم) عطف تفسير لشأنه والقرينة
على هذا التقييد قَوْلُه تَعَالَى: (إلينا) وقوله(وَمَنْ أَظْلَمُ ممن كنتم
شهادة)الآية. ولما كانت المجادلة في الله تَعَالَى المجادلة في ذات الله
تَعَالَى بحسب الظَّاهر، ولا معنى له لأن المجادلين عارفين باللَّه تَعَالَى وإن لم يكن معتدًا
به أَشَارَ إلَى أن الْمُضَاف مَحْذُوف وهو شأنه، ولما كان الشأن عامًا فسره بالاصطفاء
الْمَذْكُور، وإنما لم يقدر الاصطفاء أولًا؛ لأن المُتَعَارَف في مثل هذا تقدير الشأن، وإنما لم
يقدر في دينه وتدعون أن دينه الحق هُوَ الْيَهُودية والنصرانية لما ذكرناه من القرينة القوية.
وأما إشكال مَوْلَانَا أبي السعود بأن ما ذكره الشيخان مع عدم ملائمته لسياق النظم
الكريم غير صحيح في نفسه لما أن الْمُرَاد بالْأَعْمَال من الطرفين ما أشير إليه من
الْأَعْمَال الصالحة والسيئة، ولا ريب في أن أمر الصَّلَاح والسوء يدور عَلَى موافقة الدين
المبني عَلَى البعثة ومخالفته فَكَيْفَ يتصور اعتبار تلك الْأَعْمَال في استحقاق النبوة
واستعدادها المتقدم عَلَى البعثة بمراتب فضعيف جدًا. أما قوله مع عدم ملائمته فمندفع
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشيَة ُابْن التَّمْجيد] * * * * * * * * * * *
قوله: واصطفائه من العرب دونكم. إشَارَة إلَى أن محاجتهم ومجادلتهم وهي قولهم(لَوْلَا
يُكَلّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتينَا آيَةٌ)وفي الكَشَّاف: والْمَعْنَى أتجادلوننا في شأن الله واصطفائه النبي من العرب
دونكم ، وتقولون لو أنزل الله عَلَى أحد لأنزل علينا وترونكم أحق بالنبوة منا. وقال محيي السنة:
والمحاجة المجادلة لإظهار الحجة، وذلك أنهم قَالُوا إن الْأَنْبيَاء كانوا منا وعلى ديننا وديننا أقدم
فنحن أولى باللَّه منكم فقال تَعَالَى: (قُلْ أَتُحَاجُّونَنا في اللَّه) قَالُوا صرف المحاجة
وقد ذكرت مطلقة إلَى المجادلة الْمَخْصُوصة التي هي قولهم هذا مُسْتَفَاد من قرينة سياق الْكَلَام
وسياقه. أما سياقه فلأنهم لما أُمرُوا بالإيمان الذي أنزل عَلَى محمد - صلى الله عليه وسلم - بقوله:(قولوا آمَنَّا باللَّه وما
أنزل إلينا)وبين لهم أنه ملة إبْرَاهيم والْأَنْبيَاء من ذريته عَلَيْه الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ثم
أنكر محاجتهم في الله عليهم لزم أن يكون محاجة منهم أن ملة إبْرَاهيم لها مدخل في الدفع، وأما
سياقه فمن قوله: (أَمْ تَقُولُونَ إنَّ إبْرَاهيمَ وَإسْمَاعيلَ وَإسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى) .