بالعذر، ولا يخفى أن هذا تكلف بل تعسف، فالأولى ما ذكرنا من أن الأخيرين إشَارَة إلَى
الصَّلَاح الدنيوي وإن غرضهم بالعذر الغير المطابق للواقع إقبال أبيهم عليهم إتمامًا لمصالح
دنياهم لا إكمالًا لمصالح دينهم بما خالف الدين وعاند الحق المبين ولا نظير له في الشرع
المنير. ولعل قول الْمُصَنّف أو صالحين في أمر دنياكم ألجأه إلَى ارْتكَاب ذلك التَّكَلُّف ولا
يخفى ضعفه ؛ إذ في الوجه الأول نظر إلَى مصالح دنياكم بإقبال أبيهم بشراشره ولم يلاحظ
انتظام معاشكم وإن لزمه. وفي الوجه الثاني من الأخيرين اعتبر انتظام معاشكم وأموركم
فالوجهان متقاربان مآلًا .
قَوْلُه تَعَالَى: (قالَ قائِلٌ مِنْهُمْ لا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيابَتِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ
إِنْ كُنْتُمْ فاعِلِينَ (10)
قوله: (يعني يهوذا) الأولى أخَّره الإمام وجزم الْمُصَنّف وترك، وقيل يهوذا اتباعًا للوُصَّاف
والأولى في مثل هذا عدم الجزم إن لا سبيل إليه لعدم التصريح في النص الكريم .
قوله: (وكان أحسنهم فيه رأيًا) أي في شأن يُوسُف عَلَيْهِ السَّلَامُ لأنه أقدمهم في
الرأي والفضل. وقيل في السن أَيْضًا (وقيل روبيل) قد مَرَّ أن الصحيح رؤبن وكان ابن خالة
يُوسُف وكان أحسنهم فيه رأيًا والأولى عدم التعيين لعدم اليقين .
قوله: (فإن القتل عظيم) ومتعاطيه لئيم .
قوله: (في [قعره] ) فإنه أقرب لخلاصه كما قال: (يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ) .
قيل والْقُوَّة في غيابة الجب يتضمن النهي عن إلقائه في الْأَرْض الخالية بعد النهي عن قتله
وفيه حسن الرأي ما لا يخفى انتهى. كأنه اختار أن هذا شق ثالث لكن الطرح عام له بحسب
الظَّاهر الجب البئر التي لا حجارة فيها وليس جوفها مبنيًا بالحجارة ولا يضره وجود الحجارة
في قعرها كما سيجيء ثم آوى إلَى الصخرة كانت فيها .
قوله: (سمي بها لغيبوبته عن أعين الناظرين) أي في الخارج .
قوله:(وقرأ نافع في «غيابات» في الموضعين على الجمع كأنه لتلك الجب
غيابات)أي قعرات لكمال سعتها من كل جانب فكأن الجب جباب وغيابة غيابات .
قوله: (وَقُرئَ غيبة) بسكون الياء عَلَى أنها مصدر أريد به الغائب منه وَقُرئَ أَيْضًا
غيبة بفتحات عَلَى أنه مصدر كغيبة أو جمع غائب كصانغ وصيغة فيكون كقراءة الجمع في
التوجيه والادعاء وكلام الْمُصَنّف يحتملهما كذا قيل.
قوله: (وغيابات بالتشديد) عَلَى أنها صيغة مُبَالَغَة وزنه فعالات بفتح الفاء وتشديد
العين كحمامات. قوله ويجوز أن يكون وزنه فيعالات كشيطانات في جمع شيطانة والفرق
فيما نحن فيه تقديري ؛ إذ الياء المدغمة إن اعتبر زيادته بين الفاء والعين فوزنه فيعالة كشيطانة
وإن اعتبر زيادة الياء من جنس عينه فوزنه فعالة كحمامة .