قوله: (وفيه دليل عَلَى أنه سبحانه وتَعَالَى ليس من قبيل الأجرام) تعرضه مع ظهوره
ردًا للمجسمة. وجه الدلالة أن الخالق لا يجانس المخلوق وإلا لكان ممكنًا محتاجًا إلَى
مؤثر وهذا البيان يدل عَلَى أنه ليس من الأجرام أي من الأجسام مُطْلَقًا سواء كان من
السَّمَاوَات أو من الْأَرْض أو من غيرهما فلا يحتاج إلَى الْقَوْل بأن الْمُرَاد بالسَّمَاوَات والْأَرْض
جهة العلو والسفل.
قَوْلُه تَعَالَى: (خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ(4)
قوله: (جماد لا حس بها ولا حراك سيالة لا تحفظ الوضع والشكل) .
قوله: ( [منطيق مجادل] ) منطيق بكسر الميم صيغة مُبَالَغَة مجادل معنى خصيم
والمنطيق لازم متقدم ثابت باقتضاء النص فهو دليل آخر عَلَى خالقيته وقدرته ووحدانيته.
وجه الدلالة ما نبه عليه الْمُصَنّف حيث قال جماد لا حس لها ولا حركة وسيالة ليس من
شأنها أن تحفظ الوضع والشكل فغيرت إلَى أطوار حتى صارت منطيقا تخاصم وتجادل من
خالفها. وهذا لا يكون إلا بخلق صانع قادر حكيم منزه عَمَّا يضاده ويعاوقه.
قوله: (للحجة) فهو من إبان المتعدي قال في سورة يونس فإذا هُوَ بعد ما كان ماء
مهينًا مميز منطيق قادر عَلَى الخصام معرب عَمَّا في نفسه فهو أوضح مما ذكره هنا، ولما كان
امتياز الْإنْسَان عن سائر الحيوان بالبيان إما في الضَّمير والنطق به خص الذكر به من بين
أحوال الْإنْسَان ومعظم البيان المجادلة لمن حاجه لا سيما في الأمور الدينية عبر عن كونه
ناطقًا معربًا عَمَّا في نفسه بـ خصيم مبين، والْمُرَاد كونه قادرًا عَلَى النطق وإظهار ما في
الضمائر بالتَّكَلُّم والبيان.
قوله: (أو خصيم مكافح لخالقه) أي خصيم مظهر للخصومة مواجهًا له غير مستحيي
وأصل الكفاح في القتال والمكافح هُوَ المستقبل في الحروب بوجهه ليس دونه ترس ولا
غيره، ولا يخفى ما في هذا التَّعْبير من الإشَارَة إلَى أنه مواجه لخالقه في الخصومة ومجترئ
على الخصومة، وعن هذا قال عَلَيْهِ السَّلَامُ: نعم يبعثك ويدخلك النَّار"في الْجَوَاب بأسلوب"
الحكيم وخصومته بالْمُوَاجَهَة للرسول عَلَيْهِ السَّلَامُ لكن في الْحَقيقَة له تَعَالَى؛ ولذا قال
مكافح لخالقه أي لخالقه أولًا من نطفة أو لخالقه بعد ما كان ترابًا وعظامًا رميمة ورجح
الأول لأن الآية مسوقة للاستدلال عَلَى وحدانية الصانع وكمال قدرته كما في الآية المتقدمة
ولما لم يكن بيان وقاحة الْإنْسَان منافيًا للاستدلال عَلَى الوحدانية أَشَارَ إلَى جوازه، وإنما
مرضه لما عرفته من أن الغرض الأصلي الاستدلال كالآية السابقة واللاحقة.
قوله: (قائل: مَنْ يُحْيِ الْعِظامَ وَهِيَ رَمِيمٌ) أي مثلًا فلا يلزم
تَخْصيص الآية بذلك القائل وخصوص سبب النزول لا ينافي العموم.