على تفسير هذه الآية عَلَى الوَجْهَيْن الأخيرين في تفسير الآية السابقة بناء عَلَى ترجيحهما
على الأول كَيْفَ لا ورجح الأول حيث قدم ولأنه مناسب لمذاق الْكَلَام .
قَوْلُه تَعَالَى: (قالَ إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ(27)
قوله: (أسأله عن شيء ويجيبني عن آخر) اسأله عن شيء وهو السؤال عن
حقيقته فيجيبني عن آخر وهو الْجَوَاب بذكر خواصه وأفعاله، وهذا الْجَوَاب عَلَى
الأسلوب الحكيم كما أشرنا إليه من أنه عَلَيْهِ السَّلَامُ نزل سؤاله بمنزلة السؤال عن
خواصه فأجاب بذكرها لكن لكمال حمقه لم يفهم ذلك فظن أن الْجَوَاب لا يطابق
السؤال، وكلامه هنا شاهد عَلَى ما قلنا من أن مساق الْكَلَام جواب فرعون بالأسلوب
الحكيم واستغرابه بعدم مطابقة الْجَوَاب السؤال لعدم معرفته لفرط حمقه وتعرض
المص في قوله قال: (لمن حوله ألا تستمعون) قوله أو يزعم أنه هُوَ
رب السَّمَاوَات لتضمنه قوله سألته عن حَقيقَة وهو يذكر أفعاله .
قوله: (وسماه رسولًا عَلَى السخرية) أي عَلَى الاسْتعَارَة التهكمية أو بناء عَلَى زعم
المخاطبين المصدقين به عَلَيْهِ السَّلَامُ .
قَوْلُه تَعَالَى: (قالَ رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَما بَيْنَهُما إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ(28)
قوله:(تشاهدون كل يوم أنه يَأْتِي بالشمس مِنَ المشرق ويحركها على مدار غير مدار
اليوم الذي قبله حتى يبلغها إلى المغرب على وجه نافع تنتظم به أمور الكائنات)يأتي
بالشمس أي طلوع الشمس في كل يوم حادث لا بد له من صانع وكذا تحرك الشمس عَلَى
مدارات مختلفة مع إمكان غيرها من أنحاء متشتتة لا بد له من موجد قادر حكيم يوجدها
على ما تستدعيه حكمته وتقتضيه مشيئته متعاليًا عن [معارضة] غيره فهو أيضًا دليل عَلَى وجود
الواجب لذاته ووحدانيته وهذا أَيْضًا مما لا يمكن أن يتوهم فيه ما يتوهم في السَّمَاوَات ذكره
بعد ما رماه من الإفك الجسيم إظهارًا لفرط حماقته وتعريضًا للفكر الصائب لعله يتذكر أو
يخشى. قوله حتى يبلغها إشَارَة إلَى كونه رب المغرب كما أن قوله عَلَى وجه نافع الخ. إشَارَة
إلى كونه تَعَالَى رب ما بَيْنَهُمَا ونبَّه بهذا أن الْمُرَاد بالمشرق والمغرب طلوع الشمس
وغروبها وتحريكها عَلَى وجه مَخْصُوص من وجوه مختلفة ممكنة .