قوله: (لأنها تزيل ظلمة الليل عن وجه الأرض كما يزيلها السراج عَمَّا حوله) بيان
وجه الشبه قوله عَمَّا حوله تنبيه عَلَى ما ذكرناه من أن المشبه أقوى بحَيْثُ لا مناسبة بَيْنَهُمَا
وبهذا ومثله ظهر ضعف الْقَوْل بأن الشرط كون المشبه به أقوى مثل الأعرفية.
قَوْلُه تَعَالَى: (وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا(17)
قوله: (أنشأكم منها فاسْتُعيرَ الْإنبَات للإنشاء) أي الْإنبَات اسْتعَارَة أصلية وأنبتكم
اسْتعَارَة تبعية؛ إذ الإنبات إحداث النبات والإنشاء إحداث الشيء فشابهه في الإحداث.
ويحتمل أن يكون مَجَازًا مرسلًا بذكر المقيد وإرادة المطلق. قوله من الْأَرْض بيان أن يكُونُوا
من الأمور الضعيفة وأنه لا يكون من أهل السعادة بدون العلم والعمل.
قوله:(لأنه أدل عَلَى الحدوث والتكون من الأرض، وأصله أَنْبَتَكُمْ [مِنَ الْأَرْضِ] إنباتًا فنبتم نباتًا،
فاختصره اكتفاء بالدلالة الالتزامية) .
قَوْلُه تَعَالَى: (ثُمَّ يُعِيدُكُمْ فِيهَا وَيُخْرِجُكُمْ إِخْرَاجًا(18)
(مقبورين) لأنه أدل عَلَى الحدوث لأن الْإنبَات أمر محسوس تكرر إحساسه والتكون
من الْأَرْض لكونهم مخلوقين من الأغذية المتولدة من النبات المتولد من الْأَرْض أو معناه
أنبت إياكم من الْأَرْض وهذا قد علم من قوله: (وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا) لكن
أريد بذكره التمهيد لذكر قوله: (ثم يعيدكم) الآية. بعد ذكر الأدلة الدَّالَّة عَلَى
البعث من آيات الأنفس والآفاق وكلمة (ثُمَّ) لأن الإعادة في الْأَرْض متراخ عن الْإنبَات
والإخراج بالحشر وإن تراخى عن الإعادة بمدة متطاولة، لكن لا اعتداد ما بين الإعادة في
الْأَرْض والإخراج منها ولذا عطف بالواو أو لأن أحوال البرزخ والْآخرَة في حكم شيء
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: فاسْتُعيرَ الإنبات للإنشاء لأنه أدل عَلَى الحدوث. وجه الدلالة أنهم إذا كانوا نباتًا كانوا
محدثين لا محالة حدوث النبات.
قوله: فاختصر اكتفاء بالدلالة الالتزامية. فإن الْإنبَات يستلزم النبات فيكون انتصاب نباتًا
بفعل مقدر هُوَ مصدره لا بـ أنبتكم لأن النبات ليس مصدره، ويجوز أن يكون منتصبًا به لأن
أنبتكم يتضمن معنى نبتكم ونباتًا أبلغ من إنباتًا لما في نباتًا من معنى الإشعار بأن الله تَعَالَى
أراد إنباتكم فنبتم. وجه الإشعار بهذا الْمَعْنَى هُوَ إفادته إنكم ثم بمجرد إرادة الله الْإنبَات مع
قطع النظر عن فعل الْإنبَات. ومعنى أبلغيته منه دلالته عَلَى تمشي كمال قدرة الله تَعَالَى
وسرعة نفاذ إرادته وحكمه في الأشياء حتى كأنَّ إنبات الله تَعَالَى نفس أبلغيات فقرن أحدهما
بالآخر ونظيره قَوْلُه تَعَالَى: (أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا)
من حَيْثُ إن الأنبجاس جعل مسببًا عن الإيحاء بضرب الحجر للدلالة عَلَى
أن الموحَى إليه وهو أن مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لم يتوقف عَلَى اتباع الأمر وامتثاله وفيه نكتة أن
الانبجاس وقع عقيب الوحي بأمر الضرب بلا مهلة من غير توقف عَلَى وجود الضرب من
المأمور فكأنه حصل عقيب الإيحاء دفعة قبل امتثال المأمور بالمأمور به، وهذا أبلغ من أن
يقال: فضرب فانبجست لكونه أدل عَلَى القدرة القاهرة والإرادة النافذة.