قوله:(بَلْ لَّا يُوقِنُونَ إذا سئلوا من خلقكم ومن خلق السموات والأرض قالوا الله إذ
لو أيقنوا ذلك لما أعرضوا عن عبادته) (بَلْ لَّا يُوقِنُونَ) ترق إلَى ما أشنع مما ذكر من قبله أي
بل لا يوقنون اللَّه تَعَالَى إيقانًا معتدًا به، ولو اعترفوا به حين سئلوا من خلقكم؟ كما قال تَعَالَى
في مَوْضع آخر: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) .
قوله: إذ لو أيقنوا. تعليل لسلب الإيقان عنهم والاستدلال عليه بأنهم لو أيقنوا إيقانًا معتبرًا لما
أعرضوا عن عبادته، لكن التالي منتف فالمقدم مثله والملازمة وبطلان الملزوم واضح، وأما
بطلان اللازم فلأنهم وإن عبدوا الله تَعَالَى لكنهم عبدوه مع عبادة غيره، ومَن عبَدَ الله تَعَالَى
مع عبادة غيره فقد عبَدَ غيره وعبادته تَعَالَى كلا [عبادة] ، فثبت بطلان عدم إعراضهم فثبت أَيْضًا
بطلان إيقانهم فلو هنا لانتفاء الأول لانتفاء الثاني مثل قَوْلُه تَعَالَى: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ)
الآية. وايقانهم لو تحقق كلا إيقان.
قَوْلُه تَعَالَى: (أَمْ عِنْدَهُمْ خَزَائِنُ رَبِّكَ أَمْ هُمُ الْمُصَيْطِرُونَ(37)
قوله: (خزائن رزقه) بتقدير الْمُضَاف.
قوله: (حتى يرزقوا النبوة من شاءوا) أشار به إلَى أنه رد لقولهم:(لَوْلَا نُزِّلَ هَذَا
الْقُرْآنُ عَلَى رَجُلٍ مِنَ الْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍ)والأَولى تقدير الرحمة حتى
يوافق قَوْلُه تَعَالَى (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ) ردًا لقولهم الْمَذْكُور
وإن صح إطلاق الرزق عَلَى النبوة بالْمَعْنَى اللغوي وهو الجعل والنصيب، أو يقال معناه
خويصة أمرهم وهي رزقهم ومعيشتهم (نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ) فلا قدرة لهم عَلَى ذلك فضلًا
عن تقسيم النبوة التي هي منصب عظيم، وهذا الْقَوْل وإن لم ينقل عنهم هنا حتى يرد
بذلك لكن نقل هنا عنهم ما يدل عليه حيث قَالُوا: إنه كاهن وشاعر مع أن ذكره في
مَوْضع آخر كافٍ في الرد.
قوله: (أو خزائن علمه حتى يختاروا لها من اختارته حكمته) أي الْمُضَاف المقدر إما
الرزق أو العلم قدم الأول لأنه أبلغ في الذم؛ إذ يلزم [حِينَئِذٍ] النبوة في أيديهم يعلِّمونَ الرسالة من
شاءوا إعطاءه.
قوله: (الغالبون عَلَى الأشياء) أي المسيطرون من سيطر من باب فيعل بمعنى غلبه.
قوله: (يدبرونها كَيْفَ شاءوا. وقرأ قنبل وحفص بخلاف عنه وهشام بالسين وحمزة
ـــــــــــــــــــــــــــــ
* * * * * * * * * * [حَاشِيَةُ ابْنِ التَّمْجِيدِ] * * * * * * * * * * *
قوله: الغالبون عَلَى الأشياء يدبرونها كيف شاءوا. قال الراغب:[يقال تسيطر فلان على كذا،
وسَيْطَرَ عليه: إذا أقام عليه قيام سطر، يقول: لست عليهم بقائم. واستعمال (الْمُسَيْطِر) هاهنا كاستعمال (القائم) في قوله - عز وجل:
(أَفَمَنْ هُوَ قائِمٌ عَلى كُلِّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ] ) . وإلى هذا المعنى أشار القاضي رحمه الله
بقوله الغالبون عَلَى الأشياء يدبرونها. قَالَ الزجاج (المسيطرون) الأرباب المتسلطون
يقال تسيطر علينا بالسين والصاد والأصل السين.